الرحلة لم تنته بعد، لا زلنا نقف ننظر إلى تلك اللوحة التي كساها اللون الأصفر، اللون الأصفر فقط فلا ينازعه لون آخر، صحراء شاسعة لا يميزها إلا كثرة المرتفعات والوديان التي هي في ذاتها متشابهة، أقدامنا تأبى أن تتحرك و عقولنا تأبى أن تستوعب هذا المشهد ونفوسنا تحيا على أمل أن يأتي أحدهم يهزنا لنستفيق من هذا الكابوس، ولكن الحقيقة أن هذا ليس كابوسًا بل واقعًا محتومًا وعلينا أن نعيشه ونتفاعل معه حتى نصل جميعًا إلى بر الأمان الذي نأمله.

من قلب الصحراء ظهر لنا هذا الرجل صاحب الوجه الذي سكنته التجاعيد من كل جوانبه وغطت جسمه تلك السمرة الداكنة التي لا توحي بشيء، وبملابس الرعاة التي تدل على أنه من سكان تلك الصحراء الواسعة، في تلك اللحظات نادى فينا السائق قائلا «لا تقلقوا.. هذا هو الخبير»، عرفنا بعدها أن هذا الرجل هو دليلنا لخوض تلك الصحراء الصامتة، وكان التنبيه واضحًا «نفذوا كل ما يقوله لكم من دون نقاش»، كالعادة ومن دون إعطاء الفرصة لعقولنا كي تفكر في الأمر استجبنا لتنبيهات السائق، فلا مجال هنا لمداولة الأمر ولا لتلك الهراءات التي اعتدنا عليها في ساحة الجامعة أو ميادين الثورة، فهنا ديكتاتورية القرار تفترش المشهد بأكمله ونحن نستقبل هذا بكل طواعية واستسلام فنحن نراهن على أرواحنا إما أن نمضي مغمضي العينين أو نبقى هنا لنموت.

بدأنا في التحرك وأعيننا معلقة بهذا الرجل لا تفارقه فهو الدليل الذي إذا فقدناه فقدنا كل شيء، في تلك الآونة أيقنّا استحالة الاستمرار في السير بين تلك المرتفعات والأودية بأمتعتنا الثقيلة، فهذا أمر لا يستقيم، طلبنا من دليلنا أن يطرح علينا حلا لتلك الإشكالية، فجاءنا طرحه الصادم «ابقوا هنا وسأذهب أنا لأحضر لكم جملا ليحمل حقائبكم »، ظللنا لفترة في حالة من الذهول من هذا الحل المخيف ولسان حالنا يقول هل سنبقى وحدنا في هذه الرقعة الواسعة من غير دليل؟ ماذا سيحدث لنا إن لم يعد؟ ماذا لو خرج علينا واحد ممن نخشى لقاءهم؟، ولكن كان علينا حسم الأمر وبسرعة فعقارب الساعة لن تنتظرنا، وكعادتنا استسلمنا لهذا الخيار، فانطلق الدليل، وبدأ يغيب عن أعيننا ويمتلكنا شعور مع كل خطوة كان يخطوها أن أنفاسنا تضيق وكأننا نلفظ أنفاسنا الأخيرة، غاب عن أنظارنا و ظللنا واقفين في مكاننا يروح بنا خيالنا ويأتي ولا يشغلنا إلا سؤال واحد ماذا لو؟!، مرت الساعة تلو الأخرى ونحن في حالة من الترقب وشمس الظهيرة لا ترحم أحد منا بسيوفها المسلطة على رؤوسنا، وبمرور الوقت بدا لنا الأمل في النجاة كالسجادة التي تنسحب من تحت أقدامنا رويدا رويدا، إلى أن صدع رفيق رحلتنا يقول لنا «انظروا لقد أتى» في بادئ الأمر ظننا أن هذا ما هو إلا محض أوهام أصابتنا بفعل حرارة الشمس المرتفعة، ولكن جاءنا الصوت مرة ثانية وهو يحمل لنا بين طياته الأمل «لقد جاء الخبير ومعه الجمل الذي سيحمل لنا أمتعتنا» وقتها عادت أرواحنا مرة أخرى إلى سكناتها، لقد ولدنا من جديد.

بعد أن وضعنا كل حقائبنا وامتعتنا على الجمل بدأنا في السير خلفه وخلف دليلنا، بدأنا السير لمسافة غير معلومة على أمل أن تنتهي قريبا، ازدادت أشعة الشمس سخونة فوق رؤوسنا وكأنها تتبعنا، كلما صعدنا جبلا رسمنا في مخيلتنا صورة لخط النهاية لهذا السير الشاق على أمل أن نراه بعد تخطينا لهذا الجبل ولكن يصدمنا الواقع بصورة مغايرة تماما لما رسمناه في أذهانناـ، فلا نجد إلا واديا يتبعه جبل آخر يجب علينا صعوده، في كل مرة نصعد فيها جبل ترسم مخيلتنا نفس الصورة وفي كل مرة أيضا نصدم بنفس الواقع المرير، إلى أن وقع ما لم نتمنه، لقد سقط أحدنا أرضًا، هرعنا إليه وكان يهمهم بشفتيه ببعض كلمات كان يقول «أنا لا أستطيع أن أكمل.. أنا لا أستطيع أن أكمل» وفي هذه اللحظة كانت الرسالة واضحة من الدليل و بصوته الحاد والصارم قالها «أن نتوقف»، نظرنا إلى زميلنا ورأينا ما به من إعياء وبعد عدة محاولات أقنعناه أن يستمر في السير مستندًا على أحدنا، فلا توجد هنا مساحة للاستسلام فإما الاستمرار أو الموت.

عاودنا السير مرة أخرى ومضت الساعة تلو الأخرى تحت أشعة الشمس الملتهبة حيث لا ماء يروي ولا ظل يأوي، إلى أن جاءت اللحظة المنتظرة، فلقد نطقها أخيرا «لقد تخطيتم الحدود.. أنتم الآن في السودان»، بتلك الكلمات أطرب الدليل آذاننا، لقد وصلنا أو قل لقد نجونا، فنحن الآن داخل الحدود السودانية، بعد دقائق إذ بنا ننظر إلى تلك اللوحة الجمالية التي هي الأروع على الإطلاق برغم بساطتها، طريق تقف عليه عربة في انتظارنا يقف بجانبها أحدهم وبيده قارورة مياه بل قل يحمل لنا إكسير الحياة الذي سيعيد لنا أرواحنا التي كادت تفارقنا، شربنا وارتوينا واحتضن كل منا الآخر والتقطنا صورة الانتصار، لقد نجحنا في العبور، لقد وصلنا إلى خط النهاية، لقد انتهت الرحلة، وبدأنا رحلة جديدة بكل المقاييس لن تكون كسابقتها، نحن الآن في السودان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد