مع هذا التدفق الكبير للاجئين السوريين والعراقيين باتجاه اوربا والذي كشف عن حجمه الهائل خلال هذا العام 2015 نكون امام اكبر قضية تواجه المجتمعات العربية قبل اوربا.

 

مقدمات الاغتراب

 

مسألة اللجوء لا تنحصر اسبابها بالخوف على الحياة جراء الحروب التي تشهدها المنطقة العربية، بل يتعدى ذلك الى ماهو اعمق، تنعطف بنا الى مكان يضعنا في مواجهة شديدة التعقيد، تنحصر في اشتداد عوامل الشعور بالاغتراب لدى المواطن، فأمست العلاقة بينهما تعكس تضاؤل مشاعر الاطمئنان والاحساس بالأمن والأمان ازاء المستقبل، هذا الشعور يعكس تراكما طويلا يمتد لعقود توارثته اجيال، تؤشَّر بداياته مع فشل الانظمة الوطنية التي جاءت في منتصف خمسينات القرن الماضي .

فالآمال التي عُلِّقت على تلك الانظمة للشروع بتحقيق تطلعات الانسان للعيش الكريم كانت كبيرة، ولأجلها قدم  المجتمع بكل طبقاته وفئاته تضحيات وجهود عظيمة، إلا أن الفشل عن تحقيقها دفع بمشاعر الاحباط الى ان تخرج وتكبر يوما بعد آخر، حتى وصلت الى ما وصلت اليه من شعور متفاقم بالاحباط التام.

فالمعجزات التي آمن بها المواطن العربي كانت تتحقق على الورق فقط ، في خطاباتٍ وشعاراتٍ ظل يرددها بكل حماس في المدارس والشوارع والمعامل والجامعات، لكنها لم تتحق على الارض، وبقيت في اطار الامال البعيدة، لا يجدها مرسومة امامه إلاّ في الافلام والمسلسلات والمسرحيات التي تنتجها الدولة، وهذا ما زاد من اغتراب الفرد عن الدولة والمجتمع .

الأهم في هذا يكمن في اغترابه عن ذاته التي ساهمت بخداعه مع الدولة والمجتمع، بعد أن وجد نفسه خالي الوفاض، ولم يتحقق شيء من تلك الامال التي نسجتها ذاته من مخيّلة السلطة.

 

اغتراب بنية الثقافة

 

 

لو تتبعنا صورة هذا الاغتراب سنجدها تعبر عن نفسها بشكل واضح في إطار البنية الثقافية العربية، فالمثقف كان الاكثر تأثرا وشعورا بالهزيمة والاغتراب من غيره، لانه كان جزء من ادوات التغيير المعوَّل عليها، لذا كان من الطبيعي ان يكون اول المنكسرين كلما لاحت ملامح الهزيمة في الافق.

الطبقة الوسطى تقف على مسافة قريبة من المثقف وتشكل بحضورها وفاعليتها العمود الفقري في عملية المراهنة بإحداث فعل التغيير، لذا كان من الطبيعي ان تكون اكثر طبقة تنعكس عليها حالة النكوص في تحقيق الاحلام. والملاحظ ان ابناء هذه الطبقة يشكلون النسبة الغالبة من اللاجئين الى اوربا من طلاب ، ومثقفين ، وموظفين ، ومهندسين ، واطباء ، ومعلمين، وجامعيين.

هذه الطبقة التي كانت الاكثر فاعلية في عملية الانتقال من مرحلة الى اخرى باتت الاشد اغترابا من غيرها لما تمتلكه من حساسية عالية في الوعي يدفعها الى الشعور العميق بالاحباط من  الواقع، وصل بها الى نقطة الافتراق عن الدولة والمكان والمجتمع والموروث الايدولوجي الذي كانت تعبأ ذاكرتها به، وهذا ما يمكن ملاحظته بعد أن فشلت الثورة السورية في ان تبقى سلمية، وهي تسعى لتحقيق تطلعاتها في الحرية والكرامة الإنسانية، عندما ابتدأت في مطلع العام 2011، لتذهب بها الجماعات الدينية المتطرفة ــ بعد أن سرقتها ــ الى اتجاه بعيد عنها ينحصر في تحقيق دولة الخلافة الاسلامية.

وهكذا جرى الحال نفسه في العراق بعد العام 2003 وإن بشكل آخر عندما فتحت ابواب البلاد أمام اللصوص والانتهازيين من تجار الدين والسياسة، لتتحول البلاد الى خراب بدلا من تحقيق الوعود بالديموقراطية والحياة الآمنة الكريمة.

 

مشاعر اللاجئين

 

 

متابعتنا للتقارير الاخبارية التي رصدت موضوعة اللاجئين الى اوربا خرجنا من خلالها بعدد من الملاحظات جاءت من خلال قراءة  ما افصح اللاجئون عنه من افكار وهواجس، انحصرت في شعور جمعي لديهم، يتمثل بتفاقم مشاعر”التشاؤم والقلق والاحباط وعدم الثقة بالمستقبل” كلها مجتمعة ساهمت في تكوين صورة غامضة وسوداوية عن المستقبل.

هذه الصورة المخيفة كانت نتيجة شعور بالخذلان احاط بالمواطن بعد أن كان قد تنازل عن حريته للمجتمع وللدولة ومؤسساتها انتظارا لغد اجمل سيأتي في يوم ما، فطال الانتظار، ولم يأت هذا اليوم، وعلى العكس من ذلك جاء نقيضه حاملا الموت والخراب والدمار، لذا لم يكن امامه خيار آخر يعيد الثقة اليه مرة اخرى بعد ان استنفد ما لديه من وقت وجهد انتظارا ليوم قادم افضل، ولم يأت.

فما كان منه إلا أن يختار الاغتراب مكانيا بعد أن فاض به الاغتراب وجوديا .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد