«إنّ هؤلاء المهاجرين هاربون من العدالة، مجرمون في بلادهم ويجب غلق الحدود أمامهم»، «هؤلاء اللاجئون يحصلون على وظائفنا في الأعمال الحِرفية، ونحن نُعاني من ارتفاع معدلات البطالة»، «جزء كبير من هؤلاء المهاجرين يعملون بتهريب المخدرات، وتسببوا في انتشار الأمراض»، «ارتفعت معدلات الجريمة بسبب هؤلاء المهاجرين»، «الدولة لها سيادة وحدود يجب أن تُحترم ولكنهم يتسللون عبر حدودنا وينتهي بهم الأمر كمتسولين وشحاذين في شوارعنا»، «يحمل هؤلاء المهاجرون عادات وتقاليد مختلفة؛ بل وتتعارض مع مجتمعنا».

في الأغلب يربط المواطن العربي التصريحات العنصرية المذكورة أعلاه بالأحزاب اليمينية المُتطرفة في أوروبا، في ضوء أزمه اللاجئين الأخيرة، ولكن هل العنصرية فعلًا مرتبطة بالهجرة إلى أوروبا؟ وهل العنصرية ضد اللاجئين مرتبطة بدين معين أو عِرق معين؟

للأسف التعليقات الواردة في الأعلى هي ردود أفعال مواطنين مغاربة على الهجرة الأفريقية غير الشرعية من دول جنوب الصّحراء، حيثُ تتراوح أعدادهم بين 10 و15 ألفًا أغلبهم من نيجيريا ومالي والسنغال، هذا العدد قد يشمل فقط من تقطّعت بهم السبل أملًا في الوصول إلى أوروبا، واستقروا في المغرب لفترة لأن معظم من تراهم في المغرب من المهاجرين، هم عابرون، وقد أصبح مألوفًا أن ترى متسولين أفارقة في شوارع الدّار البيضاء؛ بل يستدرون عطف المارة باللغة المغربية الدارجة! ويربط البعض بين هؤلاء المهاجرين وانتشار السرقة والمخدرات، وتلاحق هؤلاء المهاجرين الأفارقة بعض دعاوى العنصرية كما ذكرنا بأعلى،
تأتي تلك التصريحات على الرغم من أن المغاربة يشكلون واحدة من أكبر الجاليات في أوروبا، وبعضهم يشتكي من دعاوى عنصرية مشابهة للتصريحات أعلاه، ولكنها هذه المرة تأتي من أحزاب اليمين الأوروبية المتطرفة.

اللاجئون والمهاجرون في العالم العربي

وأنا هنا لا أدّعي أنّ المشكلة فقط مغربية؛ بل بالعكس وضع المهاجرين غير الشرعيين في المغرب أفضل بكثير من معظم الدول العربية، ويكفيك مراجعة أعداد اللاجئين السوريين في دول الخليج العربي لتعرف حجم المأساة من دول رفضت حتى دخولهم على الرغم من تشابه الثقافة واللغة مقارنة بأي دولة أوروبية استقبلت لاجئين. وتدافع حكومات دول الخليج عن نفسها بذِكر حجم التبرعات المادية الممنوحة لإقامة مُعسكرات للّاجئين في تركيا والأردن ولُبنان، ومن سُخرية القدر أن تقوم الحكومات بإحصاء السوريين العاملين في الخليج -حتى قبل الأزمة- وإحصاء الإقامات الممنوحة لعائلاتِهم كجزء من دعمهم للسوريين على الرغم من أن معظم هؤلاء السوريين لا يمكن تصنيفهم أبدًا لاجئين؛ بل يعيشون ويعملون ويتقاضون راتبًا نظير عملهم كأي مواطن مُغترب يعمل في بُلدان الخليج، فليسوا لاجئين أو حتى مهاجرين بل عاملين خارج بلادِهم.
وإذا انتقلنا للحالة المصرية فلا تصدق رقم الخمس ملايين لاجئ الذي ذكره الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في خِطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فالأعداد الحقيقية والمسجلة مخجلة، فهذا خلط واضح بين اللاجئين والمهاجرين والعاملين. أما السوريون في مصر المعدودين إعلاميًّا كلاجئين فمعظمهم ليسوا لاجئين بالمعنى المعروف، ويشبهون كثيرًا حال السوريين في الخليج. وإذا انتقلنا للّاجئين الأفارقة في مصر فيكفيك أن تُراجع مشكلة اللاجئين السودانيين، وفض اعتصامهم في ميدان مصطفى محمود عام 2005، والتصريحات العنصرية التي رافقت ذلك. راجع ذلك وقارنه مع التصريحات في بداية هذا المقال.

إذًا نحنُ أمام دول عربية لم تَسمح أصلًا بدخول اللاجئين (اللاجئون من النوعية التي سمحت بها بعض الدول الأوروبية)، ليس ذلك فحسب؛ بل إن تلك الدول تَحسب أن العاملين فيها من السوريين هم لاجئون يُستحق عليهم الشكر.

القضية هنا أعمق وأقدم من الأزمة السورية، فاللاجئ أو المُهاجر العربي منذ عقود ما يزال يُعاني، وما تزال كلمات الشاعر الراحل فؤاد حداد تعيش حولنا:

«لما تقول ابني اتولد لاجئ، يعرفوك عربي. لما تقول يا رب، يعرفوك عربي».

فانظر وقارن العربي -الفلسطيني- الذي كان لاجئًا ويحمل وثيقة ثبوت في بلد عربي، ظلّ لاجئًا وحتى أبناءه استمروا يحملون لقب لاجئ، ولم يتحول أي منهم حتى لمهاجر ناهيك عن كونه مواطنًا في أجواء تمييز سلبية، حتى وإن اندمجوا في المجتمع «راجع تصريحات وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل عن منح الجنسية لأولاد اللبنانيات»، قارن هذا العربي مع عربي آخر انتقل إلى كندا أو أمريكا وأصبح مواطنًا حتى قبل أن يُنجِب.

أنا لا أدّعي عدم وجود عُنصرية في أوروبا ضد اللاجئين أو المُهاجرين، ولكننا كعرب يجب أن ننظر في المرآة لنرى أنفسنا قبل أن ننظر للآخرين.

إنها عنصرية تجاه الآخر

بدأ هذا المقال بنموذج المهاجرين الأفارقة في المغرب ليس لأنه النموذج الأسوأ؛ بل ربما يكون الأفضل بين دول كثيرة، لكن النموذج المغربي واضح جدًّا، فبعض دُعاة العنصرية المغاربة يقفون موقفًا عنصريًّا شديدًا ضِد المُهاجرين الأفارقة، وفي نفس الوقت ينتقدون الدول الأوروبية ويتهمونهم بالعُنصرية اتجاه المغاربة المُهاجرين لأوروبا؛ بل ويستخدمون نفس الحجج في مُفارقة غريبة.

دعونا نُخرج العُنصرية تِجاه المُهاجرين واللاجئين من بُعدها الاقتصادي والسياسي والعِرقي، فللعنصرية سبب شخصي كرد فعل نحو المُختَلِف والآخر، ويَستخدم هذا الآخر كشماعة لتعليق الأخطاء. فالعنصرية لا علاقة لها بجنس أو دين أو لون المضطهَد والمضطهِد.

مُصطلح اللاجئ ينطوي على مفهوم حركة مؤقتة بعكس تعبير المهاجر الذي ينطوي على مفهوم الاستقرار بعد الحركة، ولكن اللاجئ والمهاجر كليهما هو الآخر الجديد، ومشاعر الكراهية تجاه ذلك الآخر هي مشاعر إنسانية موجودة منذ القدم، وعلينا محاربة العنصرية من هذا المنطق، فالقضية هنا ليست الإسلام في محيط غربي، أو السوريين في محيط أوروبي، أو أفارقة في محيط مغربي.

إن مواجهة فكرة التعصب ضد الآخر تبدأ حينما نضعها في سِياقِها الصحيح، ولا ندخل في نقاشات للدفاع عن الإسلام أو العرب أو السود، فتلك هي المبررات تستخدم ضد الآخر لإخفاء الكراهية نحو الآخر الجديد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد