لقد شهدت منطقة الشرق الأوسط عددًا كبيرًا من حالات اللجوء، أبرزها وأكثرها مأساوية حالات اللجوء الفلسطيني الطويلة والمضنية، طبعًا دون أن ننسى مأساة اللاجئين العراقيين، والصوماليين، والسودانيين، ونزوحهم عن بلدانهم بسبب النزاعات المسلحة والحروب الأهلية وتدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية، منضمين بذلك إلى حالات لجوء الأفغان والروانديين وغيرهم الكثير، حيث إن كل حالة منهم مميزة ومعروفة وموثقة على الصعيد العالمي ولاسيما في جانبها الإنساني.

ولعل الأزمة السورية الأخيرة كانت أسوأ وأخطر كارثة إنسانية واجهتها الأمم المتحدة منذ الحرب الباردة حسب تقديراتها، باعتبار أن أكثر من نصف سكان سوريا مهاجرين أو بحاجة إلى مساعدة، إضافة إلى مخاطر امتداداتها وآثارها السلبية إلى دول المنطقة كلها، وهكذا نلاحظ دومًا أن الضحايا هي الشعوب المستضعفة، التي لا حول ولا قوة لها، تذل وتهان وتجوع وتغتصب أراضيها، وعندما تخرج وتهرب وتلجأ تذوق الأمرين حتى تموت، ولا سيما من يحملون معهم أطفالهم ونساءهم وكبارهم.

وقد طرحت مسألة حقوق اللاجئين على بساط البحث والمسؤولية على المستوى العالمي، وذلك في سبيل توفير الآليات اللازمة لحماية اللاجئين والدفاع عن حياتهم وحقوقهم طبقًا للقوانين الدولية الإنسانية في زمن الحرب أو السلم، حيث إن عدد اللاجئين حسب التقارير الدولية يزيد اليوم على 60 مليون شخص، وهذا رقم مفزع يجعل من قضية اللجوء حالة إنسانية ماثلة وشاخصة أمام أعيننا.

هذا وتعرِّف (اتفاقية اللاجئين) اللاجئ: «بأنه كل شخص يوجد خارج بلد جنسيته بسبب خوف له ما يبرره من التعرض للاضطهاد على أساس عرقه، أو دينه، أو جنسيته، أو انتمائه، إلى فئة اجتماعية، أو رأي سياسي»، كما يحظر ترحيل هؤلاء الأشخاص (اللاجئين) إلى أماكن يمكن أن يتعرضوا فيها لخطر التعذيب أو إساءة المعاملة، وذلك تحت مبدأ حظر الإعادة القسرية، والذي أصبح مبدأً عرفيًا في القانون الدولي.

ويتسع نطاق تعريف اللاجئين ليشمل الأشخاص الذين أُرغموا على مغادرة بلدانهم بسبب العدوان الخارجي، أو الاحتلال، أو السيطرة الأجنبية، أو الأحداث التي تخل بالنظام العام بشكل خطير، بالإضافة إلى الذين يفرون من أتون العنف العشوائي في حالات النزاع المسلح، أو من التعذيب وغيره من ضروب إساءة المعاملة أو حتى من عقوبة الإعدام.

هذا ويجب أن يتم توفير الحماية الكاملة لهؤلاء الأشخاص من لاجئين وطالبي اللجوء وعديمي الجنسية والعمال المهاجرين وضحايا عمليات الإتجار بالبشر الدولية، بغض النظر عن الصفة القانونية والوثائق الثبوتية، وذلك بموجب المعاهدات والقانون الدولي، بالإضافة إلى حقهم في التمتع بجميع حقوق الإنسان المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية من قبيل الحق في الحياة، وفي عدم التعرض للتعذيب وإساءة المعاملة، وفي الحرية والتعليم والصحة، والحق في حرية التنقل والتعبير والتجمع السلمي والاشتراك في الجمعيات، وفي المساواة أمام القانون، والحصول على شروط عمل عادلة وتفضيلية، وفي تشكيل نقابات عمالية وفي الضمان الاجتماعي، وفي تحقيق مستوى معيشي كاف، وصولًا إلى الحق في الحصول على الجنسية.

ونظرًا لما سبق فلا بد عن النظر إلى قضية اللاجئين باعتبارها قضية عالمية تتم معالجتها بتضافر جهود الأسرة الدولية مجتمعة للوصول إلى حلول ناجعة اقتصادية واجتماعية وسياسية في بلدان اللجوء، وفي بلدان الأصل بما يؤمن الحقوق الإنسانية لأصحابها، خصوصًا أن أعدادهم الكثيرة والمنتشرة في أكثر من بقعة في العالم، آخذة في التأثير على اقتصاديات العديد من البلدان وتطورها، ناهيك عن تردي أحوالهم الصحية والتعليمية والنفسية في بلدان اللجوء، وخاصة الأطفال والنساء، الشريحتان الأكثر تضررًا من حياة التشرد واللجوء.

لكن قادة العالم بتجاهلهم هذه التحذيرات، قد سمحوا لأزمة إنسانية عالمية طاغية بأن تتشكل، كما أن معظم الدول الغنية ما برحت تعامل اللاجئين على أنهم مشكلة شخص آخر، لهذا يجب عليهم جميعًا أن يوفروا بصورة عاجلة التمويل الكامل لتخفيف أزمة اللاجئين على صعيد العالم بأسره؛ لأن هذه الدول بتجاهلها معظم المناشدات لتقديم المساعدات الإنسانية، تركت وكالات الأمم المتحدة شبه مفلسة إلى حد أنها لم تعد تستطيع حتى إطعام العديد من اللاجئين بصورة لائقة.

كما يجب مراجعة وتطوير الآليات الدولية المعمول بها الآن، والتي تؤدي بعض إجراءاتها إلى إلحاق ضرر كبير باللاجئين، لكي تتفق مع مبادئ الحماية التي توفرها قواعد القانون الدولي الإنساني بما يستجيب مع الأحداث والتطورات الدولية المتسارعة على مستوى العالم اليوم، ولاسيما أننا في الألفية الثالثة، وذلك من خلال فتح وتوفير طرق ومسارات آمنة إلى ملذات اللاجئين وحمايتهم أثناء تنقلهم وضمان سلامتهم وكرامتهم على الحدود والسماح بلم شمل العائلات وجمع الأشخاص بأهاليهم، بالإضافة إلى منح اللاجئين تأشيرات دخول، وذلك كيلا يضطر الأشخاص اليائسون إلى اللجوء إلى الشبكات الإجرامية، وحتى لا ينفقوا كل ما لديهم، ويتعرضوا لخطر الموت وهم يحاولون الوصول إلى هذه البلدان، كما يعني هذا إعادة توطين جميع اللاجئين المستضعفين الذين يحتاجون إلى ذلك، بمن فيهم الناجون من التعذيب وذوو المشكلات الطبية الخطيرة وغيرهم.

أخيرًا نحن بحاجة إلى أن نبدأ بالاعتراف والعودة إلى إنسانيتنا المشتركة، وأن لا نسمح للخوف والجهل بأن يقفا عقبة في طريق الاحتياجات الإنسانية لهؤلاء اللاجئين وأن يعلو صوت كراهية الأجانب على صوت العقل، فملايين الأشخاص المتنقلين يقاسون معاناة شديدة وقد لقي الآلاف منهم حتفهم، لهذا يجب التغلب على هذا التحدي باتخاذ إجراءات جماعية أكثر فعالية، ويكون ذلك بتقاسم المسؤوليات على قدم المساواة، حتى لا تكون هناك أزمة للبلدان المضيفة، ونحن بحاجة إلى المزيد من التدابير لتعزيز الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للاجئين والمهاجرين؛ لأن اللاجئين والمهاجرين أبعد من أن يشكلوا تهديدا، بل هم يساهمون في تحقيق النمو والتنمية في البلدان المضيفة فضلًا عن بلدان منشئهم، وبقدر تحسين إدماج الوافدين الجدد تزاد مساهمتهم في المجتمع، فلا سبيل إلى تحقيق مستقبل أكثر ازدهارًا وانصافًا للجميع إلا بالتمسك بواجبنا في حماية هؤلاء اللاجئين والمهاجرين، وبتقبل الفرص التي يتيحها لمجتمعاتهم الجديدة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد