منذ عام 1992 – 2012، شهدت أميركا 5 موجات لجوء إلى أراضيها.

اللجوء بحد ذاته حالة إنسانية أخلاقية، لا قانونية سياسية.

اللاجئون إلى أميركا تركوا أوطانهم بعد اشتعال الأزمات فيها, فقد استقبلت 182 فيتناميًا في أثناء وبعد احتلالها لها, كما استقبلت 380 ألف روسي بعد انهيار الاتحاد السوفيتي, و169 ألف بوسني جراء انهيار الاتحاد اليوغوسلافي وما نتج عنه من حرب أهلية بين البوسنة والهرسك, إضافة إلى 106 ألف عراقي قبل وبعد احتلال بغداد, و104 ألف بورمي جراء سياسة التمييز العنصري والإبادة التي تشهدها البلاد, المتشددون البورميون, بمساند ضد الأقلية مسلمي الروهينغا في ولاية أراكان, بالإضافة إلى الآلاف من رواند, كوسوفو, ليبيا, الصومال, إرتيريا.

السخاء الأميركي لم يستمر طويلا؛ إذ لم تستقبل واشنطن على أراضيها من اللاجئين, بعد اشتعال فوضى الربيع العربي في المنطقة العربية, إلا بضعة آلاف من الليبيين, إلى جانب 2000 لاجئ سوري فقط, لتغلق الأبواب أمامهم بعدها.

الحجة التي ارتكز عليها تعتمد على المخاوف الأمنية التي قد تنشأ مع السماح بدخولهم أولا. تعنت البيروقراطية الأمريكية التي تكبل البيت الأبيض وتحول دون فتح الباب لهم ثانيًا.

من جانبه عبر الرئيس الأميركي باراك أوباما, خلال كلمته التي ألقاها خلال مؤتمر قمة العشرين الذي انعقد مؤخرًا في تركيا عن امتعاضه, حيث قال: “إغلاق الباب بوجه اللاجئين السوريين سيكون خيانة للقيم الأميركية”. إلا أن النتيجة بقيت واحدة, خصوصا بعد تفجيرات باريس التي زادت من المخاوف الأمنية, وقوت من حجج البيروقراطية في توجهاتها.

محبب مغلق

إن كانت أميركا بالنسبة للإنسان العادي في العالم حلمًا, فما بالك بمن ترك بلاده هربًا بحياته, وخوفا من مناجل الموت التي تحصد الرقاب دون تمييز.

فاللاجئ إن دخل أراضيها يتحصل على 900 دولار شهريا مساعدات مالية, إلى جانب مساعدات معيشية تكفي لمدة 8 أشهر, تجدد تلقائيا في حال عجز اللاجئ عن إيجاد عمل يغطى 40 ساعة أسبوعيا.

كما يحصل كل طفل من عمر 1 – 18 سنة على 150 – 189 دولارًا شهريا, يتم إيقافها في حال وجد رب الأسرة عملا يغطي الالتزامات الأسرية.

بعد أن تتم الموافقة على لجوء الشخص, يمنح ما يعرف “جرين كارد” لا يعتبر بعدها لاجئًا, لكن هذا لا يسقط مسؤولية الدولة عنه.

من الميزات التي تقدمها أميركا للاجئين هي عدم حصرهم في كنتونات أو مخيمات محاطة بالأسلاك الشائكة والقوات الأمنية, كما تسمح قوانين البلاد لهم بالعمل بل هي تشجع على ذلك, فالعمل يسهم في دمج اللاجئ بمحيطه الجديد, ويساعد على تقليل الكلفة على الإدارة الأميركية, هذا ما يمكن وصفه هنا باللاجئ المنتج.

من يوغسلافيا إلى العراق

في اللحظات التي تعالت بها الأصوات, خصوصا الخليجية منها, بضرورة حماية السكان المدنيين المسلمين في البوسنة والهرسك, من آلة القتل الصربي بقيادة سلوبدان ميلوسوفيتش, رفضت هذه الدول استضافة اللاجئين على أراضيها, بل عملت إلى تزويد تلك الدول بالأسلحة والمقاتلين, بحجة مساندتهم في محنتهم فكانت النتيجة ازدياد دوائر القتل والتشريد.

إلا أن أميركا الدولة الكافرة, بعرف الأنظمة والشعوب, استقبلت 169 ألف لاجئ بوسني, غالبيتهم من المسلمين, بالإضافة إلى لاجئي كوسوفو ألبانيا.

عين الأمر تكرر في العراق, قبل وبعد احتلاله على يد القوات الأميركية عام 2003, إذ اعتبرت دول الخليج خصوصا السعودية اللاجئ العراقي عميلًا تابعًا لقوات الاحتلال الأميركي, يهدد أمنها القومي واستقرارها.

المفارقة العجيبة, أن القوات الأميركية التي قصفت وسيطرت على بغداد، تحركت وانطلقت من أراضي هذه الدول وقواعدها.

في الحقيقة لا توجد مشكلة في ذلك, فتخوف الدول الخليجية في مكانه الصحيح, ويمكن مناقشته, كما يمكن اعتبار  106 ألف لاجئ عراقي عملاء للقوات الأميركية, فهل كان اللاجئون البوسنيون المسلمون كذلك؟

بورما كذبة الاهتمام

لا شك يعد النظام في بورما ذات الأقلية المسلمة, نظامًا إرهابيا, هذا بشهادة منظمات حقوق الإنسان الدولية.

حيث يعمل النظام وبشكل ممنهج على تصفية مسلمي الروهينغا في ولاية أراكان, على يد المتشددين البوذيين, المدعومين من سلطات البلاد.

الإرهاب البورمي قوبل بصمت دولي مخجل, وما زال. بعض دول الخليج شنت حملة إعلامية على النظام البورمي, لإجبار العالم على تحمل مسؤولياته, وحماية وإنقاذ مسلمي الروهينا, ومساندتهم في محنتهم.

هذه المطالب ترافق معها إغلاق باب اللجوء أمامهم, من قبل هذه الدول التي اكتفت فقط بإرسال مساعدات طبية وغذائية لهم, تاركة إياهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم على يد المتشددين البوذيين.

ولأن اللجوء كما قلنا حالة إنسانية, لم تسمح إنسانية دولة تعتبر كافرة كما تراها شعوبنا، أن تغلق الأبواب بوجه اللاجئين البورميين, إذ فتحت الباب لهم, واستقبلت 106 ألف بورمي غالبيتهم من المسلمين, وذلك حسب مكتب وزارة الأمن القومي الأمريكي.

فهل يعد هؤلاء عملاء كذلك.

دور قرآن أميركية

أول ما يقابلك إن قررت زيارة المكان, مبنى مكون من أربعة طوابق يشبه المستطيل, ناقص ضلعًا, استغل كساحة, إلى يمين المبنى حديقة وثمة مراجيح وألعاب للأطفال.

عمر, شاب أميركي مسلم من تكساس, عظيم الجسم, قوي البنية, متبرعا جاء, لحفر أساسات قاعدة كرة السلة, وتخطيط الملعب.

ففي أواسط شهر 3 من عام 2015, زرت برفقة الصديق التونسي الأميركي, حافظ الفرجاني, أحد أحياء مسلمي بورما في ولاية كولارادو.

الحي يضم ما يقارب 30 عائلة, هناك الكثير من الأطفال, الرجال غالبيتهم يعملون, والنساء في البيوت, ما أن عرفن بوجودنا, حتى أغلقن الأبواب والنوافذ.

انتهى عمل الملعب مع إعلان موعد صلاة العصر.

مسجد صغير في الحي, دخلناه للصلاة, غرفة واحدة مساحتها 3× 4, يقوم عليه شاب في أواسط العشرينيات, يحفظ القرآن. دور الشيخ تعليم الأطفال القرآن الكريم, واللغة العربية.

في الغرفة 15 طفلا, جميعهم يلبسون الملابس التراثية التي تشبه الملابس الأفغانية, وطاقية بيضاء يضعونها على الرأس.

أمام كل منهم قرآن, موضوع على مجسم خشبي يشبه حرف V الإنجليزي. يقرؤون آياته وهم يهتزون إلى الأمام والخلف.

قليلا جلسنا للراحة, أعلن الشيخ إقامة الصلاة, تقدم إلى الأمام كونه حافظًا لكتاب الله, صوته شجي يسمع.

اصطف الأطفال إلى جانب بعضهم, بشكل تنازلي مضحك مربك من الأطول إلى الأقصر. ما أن انتهت الصلاة حتى عادوا إلى أماكنهم مسرب نمل يعرف خطاه.

قبل أن نخرج, طلب الفرجاني من الشيخ أن يخرج الأطفال إلى الساحة لتوزيع الكرات عليهم, 15 كرة, لكل واحد منهم واحدة. تقافز الأطفال فرحا, وتقافزت استمتاعا. من الجميل أن ترسم البسمة على وجه طفل!

المسجد كما قلت, غرفة صغيرة واحدة, القرآن الذي يحمله الأطفال قديم جدا للأسف.

هؤلاء أطفال المسلمين, في أمريكا الكافرة التي استقبلتهم, فأطعمتهم بعد جوع, وآمنتهم بعد خوف.

عندما سألت الشيخ, هل زاركم أو تواصل معكم أحد من السفارات العربية أو الإسلامية مثل السعودية أو الإماراتية أو القطرية؟ كانت الإجابة: لا لم يفعلوا!

دولنا هذه ليست إلا ظواهر صوتية تفتقد الفعل. ففي اللحظة التي يغيب فيها الدعم عن أمثال هؤلاء, تفتح أبواب الكرم السعودي على يد وزير الخارجية عادل الجبير, ليمنح منظمة إيباك اليهودية 15 مليون دولار, للضغط على الكونغرس الأميركي للقيام بعملية عسكرية ضد سوريا, هذا في العام الماضي عندما كان الوزير سفيرًا للسعودية في واشنطن.

أبواب واشنطن المغلقة

منذ بداية الأزمة السورية في عام 2011, وحتى الآن, لم تستقبل واشنطن إلا 2000 لاجئ سوري على أراضيها.

كان ثمة مشروع يقوده الرئيس الأميركي باراك أوباما, لاستقبال 20 ألف لاجئ سوري, لكن مشروعه لم يؤخذ به, خصوصًا بعد الأحداث الدامية التي شهدتها فرنسا.

لكن, وبما أن الاتهامات التي ترفعها أنظمة الخليج العربي بوجه العراقيين المتواجدين في أميركا, باعتبارهم عملاء لها ومتعاونين معها، عملت على حمايتهم.

لماذا لم نر السعودية تحذو حذو أميركا, لتستقبل من تعاون معها ومع أجهزتها الاستخبارية وساهم في تدمير سوريا، إرضاء للخلافات الشخصية بين قادة الأنظمة العربية؟

فهل هناك 2000 لاجئ سوري في السعودية, بل كم عدد اللاجئين السوريين في الخليج كله؟

المفارقة التي يتبجح بها الإعلام الخليجي في دفاعه عن توجهات الأنظمة، تقوم على أن الأسباب الحقيقية لعدم استقبال اللاجئين السوريين على أراضيها, تتعلق بالخوف من اختلال الميزان الديمغرافي لهذه الدول.

إضافة إلى اختلاف عادات وتقاليد شعوب دول الخليج, عن عادات وتقاليد اللاجئين السوريين.

وكأنما الهنود والباكستانيين, الإيرانيين, لم يضربوا الميزان الديمغرافي من أساسه, ومعه الميزان اللغوي, لهذه الدول.

لنتخيل معا, لو دخل اللاجئ السوري صاحب الخبرة والتعليم النوعي والمهني إلى دول الخليج, وسمح له بالعمل, هل يبقى هناك حاجة لتشغيل باكستاني أو هندي لقيادة سيارات العائلة, هل هناك حاجة أفغاني أو فيتنامي لقيادة باص المدرسة, وآخر لبيع الملابس والعطور وحراسة البنوك, هل هناك حاجة لطبيب كندي أو بريطاني, أو مهندس كوري أو ماليزي لإدارة المستشفيات وتخطيط المدن, أليس السوري أولى من هؤلاء جميعا؟

الخلاصة: الذي فعلته أميركا للاجئين المسلمين في يوغسلافيا, والعراق, والصومال, وليبيا, أتمنى أن تفعله للاجئين السوريين, سيما وأن تصرفات أنظمتنا لا تعبر عن حقيقة شعوبنا, فالأنظمة قسمان؛ واحد يعتبرهم خطرًا على استقراره فيغلق الباب أمامهم, وآخر يراهم صفقة رابحة يمكن ابتزاز العالم بها.

#خالدعياصرة

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد