كل معاناتي بدأت حين ولدت أفريقي، ربما لو ولدنا في مكان آخر على أرض أخرى لكان الأمر مختلفًا، هكذا كنت أسمع من حولي يقولون بالرغم من أني لم أكن أدرك حينها معنى هذه الكلمات، حتى جاء يوم اشتد فيه بكاء أختي الرضيعة التي لم تكن تجد حليبًا في صدر أمي تشبع به جوعها، انتبهت فجأة أن ألمًا غريبًا يتربص بأمعائي. التفت إلى إخوتي علّني ألتقط منهم بصيص أمل يوحي أن الأمور ستكون بخير، إلا أنني لم ألتقط سوى دموع بعيون حمراء ووجوه شاحبة، أظن أنهم سبق وأن عاشوا مثل هذا اليوم.

خرجت إلى باب الخيمة التي نحتمي فيها من حرِّ اليوم ريثما تتحسن الأوضاع ويكون لنا منزل ــ كما كانت أمي تقول ــ وجدت صوت بكاء الأطفال يغزو المكان، رأيت السماء كما لم أرها من قبل، رأيتها شاحبة بشمس حمراء قاسية، رأيت الخيام من حولنا تكسوها الغبار، رأيت نساء شبه أحياء وما هم بأحياء، رأيت أطفالًا بعظام بارزة وعيون جاحظة.

تساءلت عن ماذا أفعل أنا هنا؛ ألا يجب أن أكون الآن في المدرسة وقد تجاوز سنِّي السابعة؟ استغربت من كل الذي حولي فتملك قلبي الخوف من كل ما دار في رأسي، والألم الذي بمعدتي يزداد شيئًا فشيئًا. عدت بخطى مسرعة إلى داخل الخيمة لأجد صمتًا غريبًا قد تملَّك المكان فجأة، وبعيون مثقلة غير قادرة على اكتشاف المزيد نظرت باتجاه أختي فوجدتها هادئة ساكنة، وهي التي كانت قبل قليل تملأُ المكان صراخًا وبكاءً، لمحت أمي بطرف عيني علَّها تكذب ما يجول برأسي الآن، لكن عيناها كنت تأكد ذلك، نعم لقد فقدنا أختي الصغيرة. لماذا ماتت؟ ما الذنب الذي ارتكبته وهي ما تزال صغيرة لتكون عقوبته الموت؟ أليست الحياة حق للجميع؟ لماذا سلب منها هذا الحق إذًا؟

حينها فقط أدركت أننا على أرضٍ الموت فيها أحق من الحياة، ذهبت نحو أمي وأنا أستجمع كلماتي، سألتها بحروف متقطعة؛ ماذا يحدث يا أمي؟ لماذا ماتت أختي؟ ولماذا لا نملك طعامًا؟ كنت أعرف مسبقا أن الصمت هو الإجابة الوحيدة التي سآخذ من أمي، لكن عينيها كانتا تقولان كل شيء.. لقد خلقنا ونحن نعلم أن الموت هو الحق الوحيد الذي نتمتع به.

هكذا نعيش جُل أيامنا، يكاد لا يمر اليوم الواحد إلَّا وقد فقدنا أطفالًا أبرياء؛ ليس بسبب الحروب ولا الصراعات، لكن بسبب الفقر، الفقر الذي ألبسوه لنا حتى عاد حقيقة منسوبة إلينا ونعيشها فعلًا، الفقر الذي حرمنا من حقنا في أن نكون أطفالًا، في أن نعيش الطفولة، حقنا في أن نجد الدواء حين يمرض صغيرنا قبل كبيرنا.. حرمنا من حقوق أصبحت بالنسبة لنا أحلامًا.

كيف ومتى صرنا شعبا لاجئا في بلده؟ متى أصبحت أفريقيا تعيش تحت وطأة المساعدات التي تتصدق بها المنظمات الدولية بصور مذلة جدًّا ومهينة تسبب في تصوير القارة في أسوأ أشكالها.

هذه المنظمات التي لا تعنيها كرامتنا ولا مشاعرنا وهي تظهرنا بصور عارية على أغلفة مجلاتها الكبيرة بصورة مهينة لنا.. نحن لا نحتاج تلك المساعدات التي تؤذينا أكثر ما تغنينا.. تلك المساعدات التي لا تحفظ لنا الكبرياء والكرامة.. تلك المساعدات التي تأتينا على طبق إعلامي مبهرج ليشاهدها العالم وكأننا مهرجون على خشبات المسارح.

فقط أعيدوا لنا ما أُخذ منَّا ولن نحتاج إلى تلك المساعدات التي تتصدقون علينا بها عن طريق الإعلام، أعيدوا لنا مستشفياتنا، مدارسنا، أعيدوا لنا أراضينا، أعيدوا أفريقيا لأبنائها، ولن نحتاج بعدها لأي شيء، لأن أفريقيا ليست فقيرة كما تدَّعون ولكن أفريقيا تُسرق وأنتم تعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد