«قرر الاتحاد الأوروبي منح كل الفلسطينيين القادمين من سوريا والعراق والكويت وليبيا واليمن ولبنان جنسية أوروبية ولم شمل أفراد عائلاتهم، والأفضلية للمشردين من مخيماتهم بفعل الأحداث القاسية، ويرفض اعتراض جامعة الدول العربية التي تمارس بلدانها الكراهية والاستبداد ومنع العمل والتنقل بحق اللاجئ الفلسطيني»… كان ذلك الاقتباس ملخصًا في دماغي لما تم تداوله عبر تطبيق «واتساب» وقيل إنها تسريبات كشف عنها صحافي أوروبي يدعى دايفيد كولين خلال تغطيته اجتماع ممثلي دول الاتحاد الأوروبي في بروكسل.

بحثت كثيرًا عبر غوغل وتويتر وفيسبوك وصحف أوروبية وعالمية ووكاﻻت أنباء مهمة ولم أجد رابط خبر واحد يؤكد أو ينفي تسريبات كولين ذاك.

وأرجح أن ديفيد كولين لا يعلم أصلا ما يتم تداوله على لسانه، ولا أدري إن كان شخصية حقيقية، وﻻ يهمني بصراحة.

وغالب الظن أن كاتب تلك المقالة إما مقهور جدًا ومضطهد، أو كذّاب إلى الحد الذي يجعله صهيونيًا ذكيًا يدرك معنى السياسة الاجتماعية.

وبغضّ النظر عن حقيقة القصة فهي تثير قريحة موتنا المستمر؛ فمن العبثية بمكان أن تصريحات نتنياهو الأخيرة بوجوب تفكيك وكالة (الأونروا) المعنية بشؤون اللاجئين الفلسطينيين وضرورة دمج أجزائها في المفوضية السامية لشوؤن اللاجئين (UNHCR)، تنسجم عن قصد أو بدون مع فحوى تلك الرسالة، وتتناغم مع مساعينا نحن اللاجئين الفلسطينيين – آسفين – للبحث عن حياة كريمة بعيدًا عن سقوف الزينكو الصدئة والبيوت المدمرة بفعل البراميل المتفجرة في المخيمات.

ولقد علمنا وما زلنا نعلم مدى الخبث الدفين لقتل حق العودة الفلسطيني صلب قضيتنا، لكن من سخرية القدر أن الاستهداف لم يعد مرهونًا بتحركات الجانب الإسرائيلي وداعميه ضدنا، بل إن خزعبلات العرب أخوتنا الذين استنزفونا ونحن ننتظر شبه حياة بينهم تدفعنا إلى الرضوخ لأي مشروع سياسي مغلف بغطاء الإنسانية.

وهم أي العرب أنظمة وشعوبًا، بات من الصعب الحفاظ على حق الحياة في كنفهم وهو أسمى وأعظم من أي حق آخر يتغنى مناصرو فلسطين والمتاجرون بشعبها به في آن معًا؛ فيما نحن اللاجئين نتقلّى على نيرانهم ليل نهار.

كما حفظنا «عدّة النصب» المبطنة بخطابات الأنظمة القومجية عن ظهر قلب، وتعودنا أن نموت بأسلحتها المسلّطة علينا باعتبارها وسيلة للحفاظ على كراسي الحكم من دون إرجاع ذرة تراب فلسطيني واحدة.

ومن الجيد أيضًا بروز فئة الأنظمة العربية التي تجاهر بكرهها للفلسطيني وغزلها مع المحتل، فهذا مريح ويجنبنا أتعاب الانتظار عقودًا جديدة لاكتشاف الأمر.

أما مناصرو قضيتنا الأنقياء فلقد تأكدنا أنهم غير متآلفين؛ فهم إما من أصحاب الحريات الفكرية ويختلفون فيما بينهم، أو من شركاء التراكم النضالي الفلسطيني الأصيل الذي أصابه النكوص لاحقًا ونحن نتحمل مسؤولية كبيرة، وأنهكهم التضييق الممارس ضدهم فانشغلوا بالحفاظ على وجودهم وباتوا عاجزين عن مساعدتنا.

غير أن المعضلة تكمن فيمن يُعتَقد أنّهم أنصار لقضيتنا جاؤوا من رحم الديكتاتوريات التي تبرر بقاءها بالتطفل على جلودنا، فيظنون أنهم حاضنة الفلسطيني الشرعية وسر بقائه.

وهذه الفئة تدافع عن الفلسطيني إعلاميًا بطريقة مبالغ بها وتكرهه اجتماعيًا، بل تحمله جميلة لجوئه على أرضها، حتى أنها تزايد عليه حين مسعاه للعيش الكريم، وتقمع حرية التفكير لديه مانعة إياه من إنتاج أي أدوات جديدة تحيي دوره في الصراع.

كما تقرر تلك الفئة عن اللاجئ حجم حبه للوطن، وتعتبره فرّط بحق العودة وتخاذل عن أرضه حين يطالب بأي حق آدمي تحظى هي به على الدوام!، وتراه ضيفًا ثقيلًا حين يتعلق الأمر بحق العمل وحرية التنقل والسفر والحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

ولا يعود ذاك الإنسان صاحب قضية حين يتمتع بمواطنة أو جنسية ما، وتتناسى فئة المستنصرين تلك أنه محروم من تنفس الهواء وشرب الماء والتحرك من أجل أرضه المحتلة انطلاقًا من دول الطوق.

ويصير اللاجئ بنظرها خائنًا لمن احتضنوه، حين تقوم نزاعات داخلية؛ فتتهمه الفئة عينها بالتغريب والتشريق في مشاريع مشبوهة قبل أن يخطو خطوة واحدة.

والثابت أن تلك الفئة لم يجرب أي من دعاتها أن يكون ﻻجئًا فلسطينيًا بوثيقة سفر لمدة ساعتين تتقاذفه المطارات وتمنعه دول الإخوة دخول أراضيها!

ولم يسمع أي منهم عن ذاك الفلسطيني الذي تقاذفه مطارا الرياض وصنعاء 22 يومًا، أو عن اللاجئ الذي احتجز وطفله في مطار دبي لا لشيء بل لأنه من حملة الوثيقة الفلسطينية السورية.

ولم يعرفوا عن احتجاز 14 لاجئًا فلسطينيًا سوريًا في مطار قرطاج بتونس، ليسمح بعد أيام بدخول وفد سياحي إسرائيلي للبلاد بجوازات سفر أوروبية من المطار ذاته.

ولم يستشعروا شيئًا من اللعنة التي حلت على الفلسطيني في العراق وسوريا ولبنان، ولم يسمعوا بأولئك الفلسطينيين المحاصرين في حظيرة «سايبر سيتي» في الأردن بعد أن هربوا من حمم الحرب السورية.

وحتمًا لا يعرفون شيئًا عن الأوضاع المزرية لـ50 ألف لاجئ فلسطيني في مصر «أم الدنيا»، أو عن مئات الفلسطينيين المقهورين في اليمن؛ وأنا شخصيًا لم أكن أعرف عنهم شيئًا قبل فترة وجيزة.

كما لم يفتشوا عن الدواعي الخبيثة لطرد آلاف الفلسطينيين من ليبيا والكويت بعد خلافات سياسية بين أنظمتها الحاكمة والقيادة الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي.

ولا يعلمون شيئًا عن آلاف المعتقلين الفلسطينيين في سجون أنظمتهم، حيث يضحّى بنا على مذابح سجانيهم أصحاب العقد النفسية يوميًا.

ولم يمت أي من أطفالهم جوعًا كما حدث لأهالي مخيم اليرموك أكبر مخيمات اللجوء الفلسطيني في بلاد العرب، ولم يضطر أي منهم لأكل الجرذان والقطط تيمنًا باللاجئين الفلسطينيين إبان حرب المخيمات في لبنان.

وبالطبع لم يجربوا الإذلال على حواجز الجيوش العربية وأن تتسلى بهم رصاصات القناص أثناء جلب كرتونة الأونروا عند مدخل مخيم تغلقه جندهم، أو أن تتقاذفهم الدوائر الرسمية لأنها لا تملك قانونًا واضحًا ينظم علاقة حكومة ببعض اللاجئين.

كل ما يعرفه أتباع هذه الفئة هو القفز عن كل تلك المخاضات العسيرة للفلسطينيين والحديث مباشرة عن مساعي الإسرائيليين والغرب لتوطين الفلسطينيين وشطب حق العودة، متناسين أن تحويل قضية اللاجئين من سياسية إلى إنسانية جرى حين طوّعوا أنفسهم لاضطهادنا اجتماعيًا بالتزامن مع الاضطهاد السياسي.

ومن الطبيعي أن فئة الشرفاء الطيبين لا يروقوهم ما ذهبت إليه، بل توقعوا كلامًا أكثر توحيدًا وذا عنف ثوري، لكن بالحالتين سيظلون عاجزين عن نصرتنا فلا داع لثورتي الكلامية، سيما وأن الحفاظ على جنسنا البشري الفلسطيني من الانقراض أعظم مشروع يمكن للاجئين إنجازه في الوقت الحالي، وهو أي حق الحياة أساس أي حق آخر.

لذا فعلى العقلاء انتظارنا حتى نرتب أوراقنا ونضع برامج تتيح لنا توزيع المهام وتشكيل حاضنات شعبية تسمح لمناصرينا الحقيقيين دعمنا.

وعليهم أن يقدّروا حاجتنا للهرب من وعّاظ السلاطين و«السحيجة» بأسرع وقت ممكن، وضرورة التخلص من عقم الجدال مع المواطنين ضحايا الديكتاتوريات الذين يتبنون روايتها عن بيع الفلسطينيين أرضهم.

وعلى الجميع قبل الحكم على صدق أو كذب ما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن حق الأشخاص بالعودة إلى بلادهم، وقبل الحديث عن جدوى تكرار التأكيد على حقوق الفلسطينيين عشرات المرات في اجتماعات الأمم المتحدة، عليهم تذكر أن الأقوياء المتماسكين هم من انتزعوا حقوقهم تاريخيًا.

والتجربة تقول إن الفلسطيني حين يستقر باله ويشتد عوده يفكر بفلسطينه المسلوبة أول ما يفكر، ومن أجل ذلك سيضطر آسفًا لإخراج الجميع من جرحه وتضميده بعيدًا عن العيون قبل العودة.

وإلى ذلك اليوم اتركونا أيها العرب نموت ميتة طبيعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد