أثناء جلوسي في أحد المقاهي الشعبية دار على الطاولة المقابلة حوار بين رجلين يظهر عليهم ملامح الشيب والكبر، كانا يتحدثان في غضب عن أزمة الطالب الإيطالي «ريجيني» ومدى تأثيرها على البلاد، خاصةً في ظل ما تعيشه مصر من أزمات اقتصادية وحالة ركود للسياحة بفعل حوادث الإرهاب المستمرة، ما جعلني أنتبه للحديث جيدًا في محاولة البحث عن إجابة للسؤال، كيف يفكر جيل الكبار في الأمر، وهل اختلفت الرؤى عن جيل الشباب؟

حديث الرجلين كان يدور عن أهمية أن تفصح مصر رسميًّا عن رواية تعقل وتصدق حول واقعة مقتل الشاب الإيطالي لإسكات الألسنة المتطاولة، وإنقاذ البلد من الحرج أمام المجتمع الدولي وما يترتب على الموضوع من عواقب تضر بالصالح العام، وتجعل من أم الدنيا مقبرةً للسياح والزوار الأجانب.

كل هذا الكلام أسمعه كبقية الناس في الفضائيات يوميًّا منذ اندلاع تلك الأزمة، ولكن النقطة التي استوجبت أن أتوقف عندها هي لمصلحة من أن يكذب النظام في روايته حول عصابة اختطاف السياح، والتي تم تصفيتها على خلفية مقاومة أفرادها واختراق كمين أمني في تبادل لإطلاق النار بين الطرفين – حسب البيانات الرسمية- وأن تظهر شواهد جديدة تضرب الرواية في مقتل، تشير إلى أن الأشخاص المقتولين ليس لهم علاقة بواقعة «ريجيني»، بل وتثبت أن الأجهزة الأمنية لم تقدم سيناريو منطقيًّا للحكومة الإيطالية والعالم الغربي، ما يزيد من إدانة الدولة أمامهم ويرفع من احتمالات تعرض الطالب الأجنبي للموت البطيء خلال عمليات التعذيب.

بالطبع أن يموت أجنبي في مصر كارثة دبلوماسية وأمنية بكل المقاييس، ولكن الأسوأ أن النظام الحالي يظن أنه يتعامل مع مصري مات داخل قسم الشرطة، ويشترط على أهله عند تسلم جثته الاعتراف رسميًّا بأنه من قتل نفسه، لإبعاد المسئولية عن رجال الشرطة، وليس أجنبي يحمل جنسية دولة بحجم إيطاليا لا يمكن أن تنتهج بلاده نفس النهج السائد في بلادنا، بل يتوجب عليهم التسليم برواية مقنعة بالمنطق والأدلة حتى يتم طرحها على الشعب الذي بات يراقب تحركات دولته جراء ما لقاه مواطنها في مصر.

وفي النهاية وبعد قرابة ساعة من النقاش والجدل، توصل الرجلان إلى الحقيقة الظاهرة من كل محاولات الإدارة المصرية لاحتواء الأزمة أن الوضع يزداد سوءًا، وأن مصالح الوطن والإضرار به لا يساوي شيئًا في مقابل أن تعترف الدولة بالتجاوز الأمني الصارخ، وأنه يجب على الجميع النظر لمستقبل هذا الوطن المتأرجح، والذي يمضي في طريق الانهيار، والتدخل لإنقاذه حتى وإن كان الثمن أن تحترم الدولة عدوها اللدود «حقوق الإنسان».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد