الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

على الرغم من كل ما يحيط بها من غموض وضبابية فلا بد من تحية إجلال واحترام للشعب السوداني على ثورته التي كانت السبب الأول بعد توفيق الله في الإطاحة بالبشير ومعظم من كانوا معه على السلطة بعد ثلاثة عقود من الاستبداد واستباحة المال والأرواح وذل العباد، وكما هو واضح فمسار الاستبداد لابد أن يقود سالكه للاصطدام بالثورة وهي مسألة وقت وإن كنا سنرى هذا المشهد أم لا، وبفضل الله فقد رأيت هذا المشهد بأم عيني في الطرقات والميادين والأحياء وكل مكان.

ثورة الشعب على الرغم مما يُقال عن محاولات الالتفاف عليها إلا أنها أجبرت أولئك الذين كانوا يتحدون الناس بلغة استفزازية على الاختفاء أو أن يكون في الحبس كما يزعمون، ويسرقون أموال الشعب وثرواته ومقدراته بكل حرية أن يتواروا عن الأنظار، بل إن البشير كان على وشك المصادقة على قرار رفع الدعم عن المحروقات قبل انتفاضة 19 ديسمبر (كانون الأول)، وحتى بيان عوض بن عوف الذي أعلن فيه حالة الطوارئ، وحظر التجوال لمدة شهر لم يذكر فيه أي شيء عن الاعتصام ومنذ لحظة بث البيان وحتى موعد دخول حظر التجوال حيز التنفيذ لم يتقدم عسكري واحد للمتظاهرين يطالبهم بالمغادرة وما زالوا معتصمين وحماسهم وثورتهم حية ملتهبة، هذا بالإضافة لرفع الحظر الذي كان مفروضًا على مواقع التواصل الاجتماعي وإطلاق سراح كل المعتقلين، كل هذا يشير إلى أن النظام بشكله الحالي يحسب للثوار ألف حساب ويتحاشى الصدام معهم، وهذا للوقت الراهن.

قوى إعلان الحرية والتغيير والتي يتصدرها تجمع المهنيين السودانيين طلبت منذ صباح يوم الخميس من الثوار الاحتشاد في مكان الاعتصام، على الرغم من الأخبار التي تداولتها وسائل الإعلام عن اعتقال شخصيات محورية مثل علي عثمان محمد طه ونافع علي وأحمد هارون وغيرهم وحصار القصر الجمهوري، وقد أحسنوا في ذلك لأن القليل كان منتبهًا لخطورة عدم معرفة من كان يقوم بهذه الاعتقالات، ومن يترأس كل هذه العمليات، والذي يجب أن نسأل عنه هو: كيف تأخرت إذاعة بيان للقوات المسلحة كان من المفترض أن يكون بُعيد الساعة الخامسة صباحًا بتوقيت الخرطوم إلى الساعة الثانية ظهرًا ومبنى الإذاعة قد تم تأمينه بالفعل، وكذلك تمت محاصرة القصر الجمهوري بحسب الأخبار، ثم لماذا تتم إذاعة البيان من اللجنة الأمنية العليا المكونة من القوات المسلحة والأمن والشرطة والدعم السريع وليس مؤسسة القوات المسلحة نفسها.

تأخر البيان كل هذه الساعات لا بد أن وراءه أمر لم يسر بحسب ما تم التخطيط له، ولو أن الصحافي ضياء الدين بلال يقول إن ابن عوف وعبد المعروف وقوش وحميدتي توافقوا على ضرورة تنحي البشير فاستجاب لهم هذا الأخير طواعية وهذا وفق معلومات توفرت لديه وليس مجرد رأي، وهم الأربعة الذين شكلوا المجلس العسكري الإنتقالي، وكما هو جزء من الحمض النووي للعسكريين على ما يبدو تم تجاهل كل القوى السياسية والمدنية تمامًا بل حتى لم يراع ابن عوف لم يقم حتى بتعيين شخص مدني لتولي الرئاسة في الظاهر كما فعل عبد الفتاح السيسي بعد انقلابه على محمد مرسي.

الحقيقة أن البشير الذي ظل متمسكًا بالسلطة ومعاندًا للشعب الذي طالبه صراحة بالتنحي لم يكن ليسقط إلا بهذه الطريقة، وأظن أن قوى إعلان الحرية والتغيير تعلم هذا جيدًا ومعلوم أن وقوع السلطة بيد من هو ذو خلفية عسكرية هو معضلة كبيرة، فعقلية مثل هذا لا تقبل فكرة تداول السلطة ناهيك عن التداول السلمي أو ضرورة تولي القوى المدنية للحكم وسائر الأمور السياسية، ولكن الأمر لا يتوقف على هذا.

لم تنحسر فرحة الشعب العارمة صباح يوم الخميس بعد البيان من فراغ إذ أنه عندما كانت الأخبار تتوالى باعتقال شخصيات مثل طه ونافع وعبد الرحيم محمد حسين قلنا أنها مسألة وقت وسنسمع خبر اعتقال صلاح قوش فالأمر لا يحتاج لكثير ذكاء لمعرفة دور قوش المحوري وكم الجرائم التي يجب أن يُساءل عنها بما فيها القتلى الذين سقطوا في الأشهر الأخيرة، بل تواترت الأخبار عن اعتقال عوض ابن عوف نفسه، حتى فوجئنا بأن صلاح قوش، عضو من أعضاء المجلس العسكري الانتقالي، والذي من المفترض أنه (المجلس الثوري)، وأن من يذيع البيان هو عوض ابن عوف، والذي أدى فيما بعد القسم أمام قاضي المحكمة الدستورية ليكون رئيسًا للمجلس، هذا ليس مجرد دليل على عدم شرعية هذا المجلس وحسب، بل هو يجعل صحة أخبار الاعتقالات محل شك، وكون ابن عوف هو من يذيع البيان بعد أن جاءت أخبار اعتقاله فقد يعني أن ما قيل عن تمرد في القوات المسلحة وإطلاق النار بغية إعادة البشير هي في الحقيقة محاولة منع رموز النظام القديم للعودة إلى رأس السلطة.

صلاح قوش عضو في المجلس وكذلك حميدتي وكلا الرجلين له رجاله وسلطته ونفوذه، هذا في جهاز الأمن والمخابرات وذاك في وحدة الدعم السريع، هذا الذي ظهر في مقطع فيديو يتحدث عن مساعيه لفض الاعتصام وتبدو عليه العصبية الشديدة، وذاك الذي كان رجاله في مناطق متعددة في السودان كانوا يعيثون في الأرض فسادًا ويعتدون على المواطنين ومنها إقليم كردفان الذي كان أحمد هارون أحد الولاة فيه الأمر الذي أدى لنزاع شديد بينها وصل إلى شاشة التلفزيون، هذا لديه طموح شخصي للوصول إلى السلطة حاول تحقيقه أكثر من مرة، ولكنه فشل وذاك كان قائد الميلشيات في المناطق الخالية والتي كانت تقوم بأعمال البشير وتنفيذ أجندته، ثم وجدناه فيما بعد ضابطًا برتبة فريق.

هذا وفي رئاسة رجل مثل ابن عوف سيسعيان للعمل على تحقيق طموحات أكبر ومصالح خاصة لم تُتح فرصة لمهما من قبل لتحقيقها، أما ابن عوف نفسه فهو في النهاية يظل أحد رموز نظام البشير وهو من ارتبط اسمه بالجرائم التي وقعت في دارفور، وهو من أدى القسم أمام البشير ليكون نائبًا له ووزيرًا للدفاع تحت إمرته قبل أسابيع قليلة.

وحدة قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي أصدرت بيان بعدم قبول ما جاء في البيان طالما أنه لا يلبي تطلعات الشعب ودعوة القوى السياسية للحوار، هناك من استبشر بهذا التصريح واعتبره انحيازًا للشعب، ولكن يظل حميدتي جزءًا من الكتلة التي صدر البيان باسمها وتظل دعوة الحوار مجرد ضرب من العبث إذ إن إعلان الحرية والتغيير كان واضحًا في مضمونه في المطالبة بوجود سلطة مدنية تدير البلاد بعد سقوط النظام وهذا ما تجاهله المجلس الجديد تمامًا.

المجلس العسكري ليس مجرد مجلس غير شرعي، بل هو مجلس من ورق لا يمكن بحال تصور حدوث توافق طويل الأمد بين أعضائه؛ الأمر الذي قد يسفر عن حدوث صراعات داخله لا يُحمد عقباها، ويكفيه أن أحد أعضائه هو الرجل الذي عاد للمشهد السياسي بمهمة واحدة، وهي تطويع الشعب وإخضاعه بالقوة لسلطان البشير، وهو الشيء الوحيد الذي كان وما زال يجيده.

ما زال الثوار في محيط القيادة العامة وما زالت القوى السياسية متمسكة بمطالبها التي أوضحتها أكثر من مرة في إعلان الحرية والتغيير، والمطلوب الآن هو التمترس خلف هذه المطالب: مدنية الدولة، ومحاكمة رموز النظام القديم.

المحيط الإقليمي يتابع المشهد، منهم من أعرب عن أمله بضبط النفس وحقن الدماء مثل مصر وقطر وتركيا ومنهم من بدا متحفظًا مثل روسيا، ومنهم من سكت مثل السعودية، وهناك الولايات المتحدة التي انتقدت وجود مجلس عسكري يحكم لعامين كاملين، وأنه لا يمكن التعاون مع السودان تحت قيادة رجل مثل ابن عوف، أما عند عامة الناس فما حدث هو إعادة أمل في صناعة التغيير بعد أن فقد الكثير الأمل في ذلك عقب موجة الثورات المضادة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
s