مسارات شتى يستبصرها المراقبون للصراع في الشرق الأوسط باحثين عن تلك التي ستسلكها أقدامه وأي النهايات ستؤول اليها الأمور، وفي حقيقة الأمر فإن المسألة لا تحتاج إلى زرقاء اليمامة لتستشرف القادم، فالحاضر يرسم صورة المستقبل ويؤطرها بعوامل التصعيد والتهدئة.

من مبادئ العلوم السياسية أن الدول قد تدخل في الأزمات مجبرة، ولكنها تملك الحرية في إدارة الأزمة للخروج بأقل الخسائر، أما أدوات إدارة الأزمة فليست فقط الأوراق التي تلقي بها الأطراف المتصارعة بحثًا عن تحقيق المكاسب على حساب الآخرين، بل هي إمكانية اللعب بعوامل التصعيد والتهدئة بحسب الرغبة، وهو ما يجري حاليًا في المنطقة.

بالعودة قليلًا إلى الوراء نجد أن التدهور المتسارع الحاصل في أمن المنطقة يبدأ من تولي الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما إدارة البيت الأبيض، إذ إن واشنطن في حقبة أوباما لم تكن موفقة في سياساتها الخارجية، حيث يؤشر أنها كانت تتعامل مع أعراض الأزمات لا أسبابها، ومنها قضية البرنامج النووي الإيراني الذي هو جزء من سياسات النظام التوسعية في المنطقة ولكن واشنطن لم تتعامل مع مشكلة «سياسات النظام الخارجية»، بل مع أعراضها متمثلة بالبرنامج النووي.

وإذا ما أضفنا إلى أسباب التدهور سياسة أوباما بشأن الانسحاب من الشرق الأوسط غير المنطقية، غير الفعالة وغير المسؤولة تجاه المنطقة – كما يصفها رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داوود أوغلو في إحدى مقالاته – فإننا سنمسك رأس الخيط الذي يقودنا إلى أول عوامل التصعيد.

انسحاب الولايات المتحدة وتخليها عن دورها في تحقيق التوازن في المنطقة لم يتسبب باختلال في موازين القوى فحسب، بل فتح الباب على عدم الاستقرار والثبات في تلك الموازين، وهذه المشكلة يمكن اعتبارها أول عامل للتصعيد فقد نتج عن تهاوي الأنظمة العربية ساحات صراع كما هو حاصل في سوريا واليمن.

تمتلك إيران محورها الخاص «محور الممانعة» بأطرافه العراقية والسورية واللبنانية، ومؤخرا في اليمن، فيما تنظر الدول العربية وأبرزها الإمارات والسعودية إلى هذا المحور على أنه تهديد لأمن المنطقة إذ إنه قائم على مبدأ تصدير الثورة وولاية الفقيه، ويتبنى خطاب معاداة الأنظمة العربية وإسرائيل، ولذلك فإن عدم الاستقرار في موازين القوى دفع المنطقة نحو خندقين، الأول هو التحالف الروسي السوري الإيراني، والثاني هو التحالف الأمريكي العربي، وهذا التخندق الناتج عن اختلال موازين القوى دفع الأزمة نحو عامل آخر تسبب بالتصعيد وهو الصراعات المحلية.

هذه الصراعات كانت عاملًا أساسيًا في تغذية الصراع الإقليمي تمامًا كما تتغذى منه وتجر المنطقة للتوغل أكثر في وحلها، فالدول التي تدخلت في مشاكل العراق وسوريا واليمن لم تكن تعتقد أنها ستدخل في مأزق أمني واقتصادي وسياسي، حيث تبدأ تدخلاتها كعمليات قصيرة وتتطور بعد ذلك إلى أزمات مفتوحة.

إذًا منطقة غير مستقرة وحروب محلية تدعمها قوى إقليمية، بيئة مثالية لتحويل المنطقة إلى سوق للسلاح وفتح مضمار لسباق التسلح وهو العامل الثالث للتصعيد في الشرق الأوسط الذي شهد صفقات تسليح من كل حدب وصوب وبشتى الطرق والوسائل وساهم في رفع نسبة الدمار إلى ما آلت إليه مدن العراق، وسوريا، واليمن، وليبيا.

يقابل العوامل الثلاث أعلاه عوامل للتهدئة في أي أزمة دولية، كالحوار الثنائي المباشر والحوار متعدد الأطراف ودعم دور دول الحياد إلا أنه وبشكل عام فإن آليات الحوار في صراعات الشرق الأوسط غير متطورة، فالحوار الثنائي المباشر تعوقه الشروط، والحوار المتعدد الأطراف (5+1) لم تلتزم أطرافه به، ولا احترام أو اعتراف بدور دول الحياد، وخطورة عدم تطور آليات الحوار سلمًا أو حربًا تعني أن المنطقة قد تنزلق نحو الهاوية حتى بالخطأ إن لم يكن بالتدبير.

في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2015 أسقطت تركيا طائرة روسية تجاوزت المجال الجوي التركي، لتعلن تركيا بعد ذلك أنها عملت بموجب «قواعد الاشتباك المتفق عليها» قبل إسقاط الطائرة.

أذكر هذه الحادثة لطرح السؤال: هل توجد قواعد اشتباك متفق عليها بين إيران الولايات المتحدة؟ وإذا كانت موجودة فعلا هل عملت بها إيران قبل إسقاط الطائرة الأمريكية المسيرة «غلوبل هوك»؟ وأين هذه القواعد من حرب الناقلات في هرمز وحوادث قصف معسكرات الحشد الشعبي في العراق؟ علما أن كل هذه الأحداث من الممكن أن تكون شرارة حرب، إذا لم تحسب العواقب كما ينبغي.

في الإطار الذي أضعه لمعرفة مسار المنطقة متمثلا بعوامل التصعيد والتهدئة يمكن ملاحظة أن عوامل التصعيد مفعلة بالعكس تمامًا من عوامل التهدئة، وليس ذلك عبثًا، فهذه العوامل هي أدوات واشنطن وطهران لقيادة الأزمة كل باتجاه مصلحته، فالحصار الاقتصادي الخانق المفروض على إيران يمنعها من التوجه للمفاوضات، فالضعيف إذا دخل المفاوضات دخلها مستسلمًا، أما طهران فباتت ترى أن الحرب خيارها الأفضل، وذلك لأنها ستضر مصلحة من يضرها في الخليج وستتسبب بأزمة نفطية تجبر العالم على التفاوض معها، عندئذٍ ستذهب للحوار وقد ترضى بشروط جديدة لن تكون بطبيعة الحال إيرانية، ولكنها لن تكون الشروط الأمريكية، قد تكون نظرتها خاطئة، وقد تكون حساباتها غير دقيقة، ولكن هذا ما توصل له صانع القرار الإيراني، وذلك يفسر حرب الناقلات التي تعد ترجمة فعلية لتهديدات إغلاق مضيق هرمز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد