لا تزال الأحداث في اليمن تؤشر نحو تداعيات خطيرة، ومنها حدوث انقسام سياسي في العالم العربي والإسلامي إلى معسكرين على أسس مذهبية، وما يترتب على ذلك من إمكانية الانقسامات العرقية، وذلك توظيفًا للاختلافات الإثنية المؤثرة على أرض الواقع، الأمر الذي ينبئ بانقسامات مجتمعية يمكن أن تشعل صراعات داخلية، وتدخل الأطراف الأخرى إضافة إلى أطراف الصراع الأساسية، مثل دعم حزب الله في لبنان ودعمه للحوثيين على غرار دعمه للنظام السوري والميلشيات في العراق ليعزز الدعم الإيراني لهم، وربما ميلشيات وأطراف أخرى تتبع إيران في العراق والشام والبحرين والسعودية.

الملاحظ هنا صمت حزب الله عن العدوان الإسرائيلي على غزة وتحول بوصلته بدلًا من فلسطين تجاه سوريا والعراق، حيث شعارات المقاومة والممانعة للتدخل في الشؤون العربية وفقًا لمقاصد إيران، الأمر الذي يفسر موقفه السلبي من المقاومة العراقية أثناء تواجد قوات الاحتلال الأمريكية في العراق عدا عن دعم بعض الميلشيات المدعومة من إيران.

من جانب آخر، تشير أحدث التطورات إلى وقوع انقسامات داخل إيران مضادة لولاية الفقيه بسبب الاضطهاد الطائفي والقومي الذي تمارسه الأغلبية الفارسية وخاصة في عربستان وبلوجستان وربما كوردستان إيران التي تشهد انتفاضة جماهيرية بدأت تأخذ بعدًا مسلحًا ربما تتطور وتتوسع مساحاتها مع الوقت.

من ناحية ثانية وفيما يتعلق بالموقف التركي من أحداث الشرق الأوسط، فإن تداعيات الحرب في اليمن والدعم الإيراني هناك، قد تدفع الأتراك إلى التدخل لصالح محافظات عربية سورية وعراقية وخاصة الموصل بالضد من التدخل الإيراني عبر الميلشيات الطائفية الموالية لإيران في اليمن والعراق. يضاف إليه إعلان باكستان القوة النووية المجاورة لإيران استعدادها للتدخل بقوة في حال تعرض المملكة السعودية لمخاطر جدية، ويأتي ذلك ضمن أطر الاتفاقيات الأمنية الموقعة بين السعودية وباكستان منذ عقود مضت.

المعروف أن باكستان وتركيا تنسقان موقفهما دائمًا في الأمور والقضايا الإقليمية المشتركة، ويعود ذلك منذ توقيع اتفاقيات سعد أباد وحلف بغداد المركزي (السنتو).

إن ما تقدم هو أحد النتائج المنبثقة عن احتمالات صعوبات الحسم العسكري في اليمن، حيث إن الطيران الحربي لا يمكن أن يحسم نتائج المعركة دون تدخل بري واسع.

ويبدو لنا أن جميع الفرقاء وقعوا في فخ نتائجه غير الحميدة وأولهم إيران، فضلًا عن أن السعودية تدفع الجميع لاحقًا نحو البحث عن حل توافقي بموجبه يمكن أن تقدم إيران تنازلات ضرورية في محادثات خمسة زائد واحد الخاصة ببرنامجها النووي، وأن توافق السعودية وبلدان الخليج الأخرى على حل سياسي محتمل لمشكلة الحوثيين يمكن أن يحقق لإيران نفوذًا سياسيًّا محددًا داخل اليمن عبر جماعة الحوثيين، التي لجأت إلى استخدام القوة لتحقيق تغيير سياسي في اليمن خارج نطاق الشرعية، يحقق لإيران مقصدها المعلن عبر كبار القيادات الرسمية وغير الرسمية المتمثلة باستكمال الهيمنة على اليمن.

إلى جانب تمددها في العراق وسوريا وإعلانها صراحة أنها عبر ذلك تعيد فرصة ظهورها كإمبراطورية كبرى، ووضع خارطة جديدة بموجبها تصبح البحار والخلجان الاستراتيجية تحت هيمنة إيران، مثل باب المندب والموانئ المطلة على البحر الأحمر ليتم السيطرة على الملاحة عبر قناة السويس وخليج العقبة، وهو الأمر الذي يفسر الموقف المساند للسعودية من قبل مصر والأردن، وهو ذات الأمر الذي يفسر أيضًا الموقف الأمريكي والغربي من حرب التحالف العربي في اليمن. وذلك ينسحب على الأطراف الأخرى الشريكة في الصراع الإقليمي.

وهنا سيكون لتركيا موقف في مواجهة النفوذ الإيراني، بالإضافة إلى دور ونفوذ سياسي داخل مناطق أخرى وخاصة العراق وسوريا، كخطوة نحو إعادة تقسيم الوطن العربي إلى مناطق نفوذ للقوى الإقليمية تشارك فيه إسرائيل كأساس لإيجاد حل للقضية الفلسطينية.

أما ما نتج من توقعات في مؤتمر القمة العربي في شرم الشيخ فسوف لن يكون أكثر من غطاء لتمرير التسويات الإقليمية بعد أن فقد العرب بوصلتهم الأساسية حين كانت فلسطين قضيتهم المركزية، وهنا يكمن عنصر النصر الذي ستجنيه إسرائيل من مجمل الأحداث والتفاعلات والتداعيات المحتملة.

بعبارة أخرى، إن منطقة الشرق الأوسط تتجه من وجهة نظرنا إلى إعادة رسم الخارطة السياسية، وهو أمر تتوقف احتمالات تحققها على إمكانية التوقيع على اتفاقية لحل مشكلة البرنامج النووي الإيراني، حيث يمكن رسم احتمالين رئيسيين:

الأول وهو احتمال التوقيع على الاتفاق تحت ضغط المتغيرات أعلاه، حيث لا تبدي إيران حتى الآن رغبة التصعيد في التدخل المباشر في اليمن إلى جانب انسحاب سليماني وحرسه الثوري وملشيات تابعة له من حرب دخول تكريت لتحريرها من داعش تحت ضغط تدخل التحالف الدولي، فضلًا عن الخشية من استهدافهم من قوات التحالف الجوية، كما تم التصريح عن ذلك من قبل قادة الملشيات أنفسهم في تبرير انسحابهم من أرض المعركة محملين رئيس الوزراء السيد العبادي مسؤولية هذا القرار، في إشارة لاختلاف وجهات النظر بينهم.

وفي حال تحقق هذا الاحتمال فإن على إيران قبول حصر نفوذها السياسي وتحديده في عموم إقليم الشرق الأوسط كبديل لفقدانه في حال الاحتمال الثاني “الذي يمكن أن ينشأ من فقدان فرصة التوقيع على الاتفاق”، هنا سنجد إيران تندفع للدفاع عن النفس عبر توسيع رقعة الصراع في عموم المنطقة، انطلاقًا من مبدأ الهجوم خير وسيلة للدفاع.

وهنا يمكن أن نشهد تورط قوى أخرى مثل روسيا ولو بشكل غير مباشر لتتحول منطقة الشرق الأوسط إلى ساحة حرب معلنة بالنيابة عن صراع وتنافس القوى الدولية والإقليمية، ستكون بمثابة حرب عالمية ثالثة تعيد توزيع البلدان جيوسياسيًّا، ولكن دون الحاجة لإعلان الحرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد