جذور الخلاف بين تركيا والسعودية

الربيع العربي واغتيال جمال خاشقجي، ومعركة تركيا ضد الأكراد في شمال سوريا ثلاثة ملفات لم تكن سوى ذروة الخلافات بين تركيا والسعودية
في ذلك الوقت قبل 200 عام، كانت السلطنة أو الخلافة العثمانية تُسيطر على شبه الجزيرة العربية وكان حكم العثمانيين ضعيفًا في شبه الجزيرة العربية وحيث تم تقسيمها إلى ثلاث مناطق، وهي المنطقة الشرقية التي كانت تسيطر عليها السلطنة العثمانية بالكامل، في حين أن المنطقة الوسطى لم تخضع للتأثير العثماني، وكذلك المنطقة الغربية التي تضم مكة والمدينة، كانت تتمتع بالحكم الذاتي، وتَدِين بالولاء الاسمي فقط للسلاطين العثمانيين، وبسبب الصحراء العربية القاحلة وطبيعة أراضيها، كانت مُقسّمةً بين قبائل متحاربة حتى القرن الرابع عشر، وسْطَ كُلِّ هذه المُعادلات المُعقّدة، ظهر زعيم ديني اسمه «الشيخ محمد بن عبد الوهاب» – رحمه الله – أعاد إحياء الأفكار الإسلامية وشن حربًا على المُرتدّين والمُبتدعين، فطالت حربه الشيعة من جهة أخرى والعثمانيين من جهة ثانية، بسبب اعتناقهم التصوّف وتبرّكِهم بالأضرحة، هذا لا شكّ خطأ من قبل العثمانيين، غفر الله لهم، ومن هُنا انطلقت شرارة الصراع الأولى.

قِيامُ الدّولة السعودية الأولى

في عام 1774 م تحالف الشيخ محمد بن عبد الوهّاب مع رجل يدعى «محمد بن السعود» الذي كان أميرًا للدرعية في وقتها، وبفضل هذا التحالف الديني والسياسي، أقيمت أول دولة سعودية.

وفي عام 1801م حاول السعوديون استهداف الجنود العثمانيين في مكة التي تُعتبرُ رمزًا للسيادة الدينية للسلطنة العثمانية، ورد العثمانيون عبر حليفهم محمد علي باشا في مصر عام 1811، وتم القضاء على الدولة السعودية الأولى وإعدام آخر ملوكها.

الدّولة السعودية الثانية

أعاد عضو آخر في آل سعود بناء الدرعية مرّة أخرى وسيطر على شبه الجزيرة العربية عام 1843، وتدخل العثمانيون عام 1871م مع حلفاء محليين هذه المرّة ودعموا قبيلة الرشيد، التي كانت مسؤولة عن الإطاحة بالدولة السعودية الثانية عام 1891م.

وكانت الأمور ستصير في مصلحة الدولة العثمانية لكن الحرب العالمية الأولى قلبت المنطقة والعالم رأسًا على عقب. وجد آل سعود الحرب العالمية الأولى فرصة سانحةً لهم بالحكم وفي عام 1932 تمّ تأسيس المملكة العربية السعودية الثالثة وما زالت قائمة حتى يومنا هذا.

تعاون الملك عبد العزيز آل سعود والد الملك الحالي سلمان مع البريطانيين لـِيُقاتل تحت رايتهم ضدّ العثمانيين الأتراك، وساهم هذا التحالف في خروج العثمانيين من شبه الجزيرة العربية.

وعام 1924 انهارت الخلافة العثمانية رسميًا، وتأسست الدولة السعودية الثالثة عام 1932 ولا تزال إلى يومنا هذا.

عقودُ المدّ والجزر

في عام 1930 أقامت تركيا الحديثة علاقات دبلوماسية مع المملكة العربية السعودية، لكنّ تركيا كانت أكثر حرصًا في إقامة علاقات استراتيجية واقتصادية مع الدول الغربية مقارنةً بالعالم العربي.

 انضمت تركيا إلى الناتو في عام 1952، إلا أنّ الأمور بدأت تتغيّر في عام 1960 إلى 1970، اتخذت تركيا خطوات جادة لتعزيز علاقاتها مع الدول العربية الإسلامية في عام 1969، انضمت تركيا إلى منظمة التعاون الإسلامي، التي تأسست تحت رعاية المملكة العربية السعودية.

كان الصعود والهبوط في العلاقات الثنائية بين البلدين محكومًا بالاضطرابات السياسية في تركيا، وتحديدًا الانقلابات العسكرية بين 1980م و1990م.

شبح التنافس يُطل مُجددًا

في عام 2002، تحول المشهد التركي مع صعود وقوة حزب العدالة والتنمية، ذي الميول الإسلامية، إلى السلطة.

والذي كان من مهامه الأولى استعادة العلاقات التركية مع الدول العربية الإسلامية، مما أدى إلى انفراج ملحوظ في العلاقات بين هذه الدول، إلّا أنّ اللغم انفجر في منتصف الطريق! فقد قامت السعودية بهدم «قلعة أجياد» التاريخية في مكة، مما خلق نزاعًا دبلوماسيًا بين البلدين. إلّا أنَّ محاولة التقارب بين البلدين لم تتوقف.

زار الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز آل سعود تركيا في عام 2006، ليكون أول ملك سعودي يزور تركيا منذ عام 1966.

ومن ناحية أخرى، زار الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان المملكة العربية السعودية أربع مرات بين عامي 2009 و2011 وساهمت الاتصالات الدبلوماسية المكثفة في تعزيز النمو الاقتصادي والتجاري بين البلدين، وزادت صادرات تركيا إلى المملكة العربية السعودية إلى 3.6 مليار دولار في عام 2012.

الربيع العربي وشتاء المملكة العربية السعودية

سريعًا وبشكل يُهدّد شرعية أعتى نظامٍ ملكي استبدادي في العالم، ظهر الربيع العربي ككابوس بالنسبة للرياض، ففي مصر جاء الإخوان المسلمون إلى السلطة في دول عربية حيوية، مع رئيسها المُنتخب الشرعي محمد مرسي – رحمه الله -.

وشعر النظام السعودي الاستبدادي بالخوف من هذا الأمر، وكذلك تركيا تعاملت مع صعود الإسلام السياسي كفرصة محتملة للتقارب مع الحكومات الناشئة والمتقاربة معها أيديولوجيًا. زاد صعود الإسلام السياسي من مخاوف السعودية تجاه تركيا. 

وانتهى الكابوس السعودي بإجهاض الربيع العربي في مصر بدعم الإمارات والأنظمة السعودية لنظام السيسي. أطاحت الثورة العسكرية التي شنتها المخابرات العامة ضد الرئيس المصري المنتخب محمد مرسي عام 2013 حكومة الإخوان المسلمين وتباعدت الفجوة بين تركيا وأنقرة ودخلتا في حرب بالوكالة لإقامة سيادة إقليمية على المنطقة.

صافرة النهاية وصعود الملك سلمان

حكم الملك سلمان المملكة العربية السعودية في عام 2015 وجرى لقاء بينه وبين الرئيس التركي أردوغان، كان هناك اجتماع ومحادثات بين الطرفين. وبدا أنّ صفحة التنافس على الشرق الأوسط تمّ طيُّها لكن هذا التقارب لم يدم طويلًا ما بعد الربيع العربي.

واتضح لتركيا شيئًا فشيئًا أنّ رياحًا سعوديّةً صارت أبعد ما تكون عن أنقرة، وذلك مع استقرار حكم الطاغية محمد بن سلمان ولي العهد، وبدأت تركيا ترى تأثيرًا إماراتيًا على السياسة السعودية، ما أدّى لتفاقم التوترات بين البلدين.

حصار قطر

 في منتصف عام 2017، المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومصر والبحرين قاموا بحصار قطر. في خطوة مفاجئة جعلت المنطقة متوترة، وأربكت كامل الإقليم، وسرعان ما تدخلت أنقرة لمساعدة الدوحة للتغلب على آثار الحصار، ليس فقط من خلال جسر مفتوح لتزويدها بالبضائع التركية، ولكن من خلال تفعيل اتفاقية يعود تاريخها إلى عام 2014 لتأسيس القاعدة العسكرية التركية في قطر.

 ولم تكتفِ تركيا بذلك فحسب، حيث كانت ماضية في استثمار آثار الحصار، وعززت تعاونها العسكري مع عُمَان ووقعت اتفاقية تعاون عسكري مع الكويت والأردن.

خاشقجي فرصة من ذهب

 في أوائل أكتوبر 2018، قُتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي – رحمه الله – في قنصلية بلاده في إسطنبول. في جريمة وحشية اعترف بها مكتب المدعي العام السعودي فيما بعد، وقد تم توجيه الاتهام إلى أشخاص تجاوزا صلاحياتهم!

بالنسبة لتركيا، لم يكن من الممكن أن تأتي أزمة مقتل خاشقجي في توقيتٍ أكثر سوءًا، اضطرت اللهجة الدبلوماسية التركية لتليين خطابها تجاه الغرب، بسبب انخفاض الليرة التركية ومعدلات التضخم والعجز المتزايد في الحساب الجاري.

آخر شيء لا يحتاجه الرئيس أردوغان في تلك اللحظة ربما كان أزمة دبلوماسية ولكن إذا كان هناك سياسي واحد يمكنه تحويل الجحيم الأجنبي إلى مكسب كبير، فهو الرئيس أردوغان لأنه لديه تاريخ طويل من الفوز في تلك المعارك الاستراتيجية الدقيقة والطويلة. من خلال تبني قضية وفاة خاشقجي واستغلال الأداء الدبلوماسي الضعيف للمملكة العربية السعودية والأخطاء الساذجة والخطيرة التي يرتكبها المجرمون أثناء قتل صحفي في القنصلية.

تمكنت تركيا من تسريب المعلومات تلو الأخرى. ممارسة ضغوط دولية غير مسبوقة على الرياض دون الدخول في مواجهة معها ومحوّلةً ما بدا في مطلعه بوادر أزمة أزمةٍ لها إلى فرصة لتوجيه ضربة تاريخية للمملكة العربية السعودية أكبر المنافسين الحاليين للقيادة الإقليمية.

لم ينس الطاغية ولي العهد محمد بن سلمان ما فعلته تركيا وانتظر الفرصة المناسبة للانقضاض عليها. وانتهت تلك اللحظة مع بدء العمل العسكري التركي في شمال سوريا ضد الجماعات الإرهابية المسلحة الانفصالية الكردية.

وبالفعل أدانت المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر ما وصفته بهجوم تركيا على سيادة سوريا! واجتمعت جامعة الدول العربية بشكل غير عادي لإدانة ما وصفته بـ«عدوان تركيا على الأراضي العربية».
يبدو الأمر أنهم نسوا أن الأرض بها إيرانيون وفرنسيون وأمريكيون وبريطانيون وروس! وكذلك الأكراد الذين تحاربهم تركيا، هم انفصاليون، وليسوا عربًا.

 وهكذا كتبت تركيا والمملكة العربية السعودية فصلاً ونزاعًا طويل الأمد حتى حوالي 200 عام. كيف سيبدو هذا الصراع في المستقبل؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد