ولد العراق الحديث مع بدايات القرن العشرين، وخاصة بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، ليُعلنَ بريطانيًّا عن ولادة “المملكة العراقية”، وبدأت رسميًّا بتعيين الملك فيصل الأول عام 1921، وليتخذ شكل العراق الحالي على الخريطة تحولًا في لفظ اسم “العراق” في التاريخ إذ كان مرتبطًا بالعثمانيين، مع خلافات لاحقة حول عائدية الكويت وكردستان و الموصل.

وانتقلت البلاد بعد أحد عشر عامًا للاستقلال في عام 1932، لتكون من أوائل الدول العربية التي استقلت عن الوصاية الأوروبية.

انتهت الملكية في العراق عام 1958، وتشكلت الدولة من جديد في سياق جمهوري يقوده العسكر، ثم انقلاب في إثر انقلاب كحال الشرق الأوسط حينها، حتى استقر الأمر لحزب البعث، وبقي صدام حسين رئيسًا للعراق لنحو ربع قرن.

سقوط بغداد

شكل سقوط بغداد 9/4/2003 بابًا لإعادة إنتاج هياكل الدولة العراقية “أمنيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا”، وبمعيار مشابه مَثّل سقوط الموصل 9/6/2014 أي بعد أحد عشر عامًا بدايات لنشوء “الدولة الموازية” في مفاصل العراق الأساسية، و”الدولة الموازية” هي كيان يسير بنسق “الكيانات الشرعية” يقترب منها مرة ويبتعد عنها أخرى، لكن هدفه الحصول على أكبر قدر ممكن من النفوذ، في خلطة بين العسكري والسياسي والاقتصادي.

ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق فإن شكل الدولة لم ينضج بعد، فرغم إعلان الدستور ووجود الحكومة واستمرار عملية الانتخابات وثبات البرلمان، كأهم مفاصل في الدولة، فإن بنية الدولة ظلت متحركة مثل الرمال، مع هزات أفقدت العراق ثلث أرضه، بينما تمتع إقليم كردستان العراق يومًا بعد يوم بشبه دولة كاملة السيادة.

الهدف رقم واحد

ولأن المعارك كر وفر، فإن السياسة كر وفر كذلك، وبمقطع من الذاكرة العراقية الحديثة لما بعد الاحتلال وتشكيل مجلس الحكم وكتابة الدستور ووضع “الأقاليم والفدرالية فيه” كدستور غريب على سياقات الدولة منذ 1921، فإن “الهدف رقم واحد” لمشروع التشيع السياسي “أهم مؤسس للدولة بعد 2003 “، كان في إقامة “إقليم الوسط والجنوب”.

وعراب إقليم الوسط والجنوب في حينها “عبد العزيز الحكيم” الذي أخذ نفوذه بعد اغتيال مروع لأخيه “محمد باقر الحكيم” إمام جمعة النجف وزعيم “المجلس الأعلى”.

حينها صار عبد العزيز الحكيم الأخ وأبو عمار الحكيم الابن أحد أهم رموز المجتمع الشيعي في العراق، وقائد كتلته الانتخابية، والمنادي في كل مناسبة “بإقليم الوسط والجنوب”.

مع مرور السنوات، أُهمل الهدف رقم واحد “إقليم الوسط والجنوب” تمامًا، ولم يعد أي سياسي شيعي يتحدث عنه، وبالمثل تم إفشال إقليم البصرة لمرتين رغم أن “الغالبية العظمى من أهل البصرة معه”.

إفشال إقليم البصرة، جاء لأنه لم يوافق هوى التحالف الشيعي، ولم تسمح السلطة بجمع تواقيع أو إصدار قرار من مجلس المحافظة بإجراء استفتاء عليه، لما له من تداعيات مستقبلية على شكل وبنية “التشيع السياسي” وعلاقته بمنظومات “النفط والقوة” في الغرب والخليج.

والبصرة عين العراق على الخليج العربي، وحقل واسع من حقول العراق النفطي، ولها قرابة قديمة مع “البريطانيين” الذين يريدون أن تكون البصرة إقليمًا لمصالح تجارية بالأساس، بينما ترفض إيران ذلك رفضًا قاطعًا لا يمكن معه حتى التثقيف لفكرة الإقليم.

انتقل الأمر إلى أن “إقامة أي إقليم في العراق” سني أو شيعي بمثابة “الخطر رقم واحد” على الحكومة التي يقودها “التشيع السياسي”، لأن قراءة الساحة السياسية اختلفت، والإقليم يهدد “إيران نفسها” المعرضة لأن تكون عدة أقاليم في المرحلة المقبلة، لوجود تنوع عرقي وقبلي وطائفي فيها على أوسع المستويات، ويشعر هذا الخليط بالتهميش الطائفي شيعيًّا وسنيًّا، والتهميش القومي فارسيًّا وعربيًّا وبلوشيًّا وكرديًّا وتركمانيًّا، وهو مؤهل للتفكيك والأقلمة، وإنشاء أقاليم في العراق يراها الإيرانيون مقدمة لتفكيكهم هم.

ستكون أقاليم العراق دافعًا لاحقًا لعرب وبلوش وكرد إيران ليطالبوا بمعاملة مشابهة. وقد مَثّل الإقليم الكردي شمال العراق أهم عقبة في هذا السياق، لكن قرار بقائه آتٍ من أمريكا نفسها، ولا تتمكن إيران من العبث به، ويعرف الساسة الكرد أن إيران بالعموم لا تحب للكرد أن يكونوا إقليمًا.

الإقليم الكردي واقع حال، مورث من قبل الاحتلال، تدرج وجوده من حكم ذاتي منحه صدام حسين للكرد، ثم توسع ليأخذ صلاحيات واسعة بمرور الأيام، سواء منها تلك التي وردت بالدستور الحديث، أو تلك التي حصل عليها بقوة “البيشمركة ” حرس الإقليم، كمساحات حدودية إضافية على ما كان قبل الغزو الأمريكي، وهو على خلاف دائم مع كل الحكومات بعد الاحتلال، ولا يخفي نيته المستقبلية بالاستقلال وتشكيل الدولة الكردية.

السنة بلا إقليم

مظاهرات العراق “السنية” وما أطلق عليه لاحقًا “الحراك الشعبي” فإنه هو الآخر وضع هدفًا مشابهًا لهدف “التشيع السياسي الأول”؛ حيث طالب قادته مرارًا وتكرارًا بإقامة “إقليم المحافظات المنتفضة” وفقًا للدستور العراقي الذي يتيح لهم ذلك، وبدأت الفكرة تنتشر بسرعة، لكن دعاة “الفكر الوطني من السنة” رفضوا ذلك واعتبروه خيانة، وأن مشروع “طرد الاحتلال وآثاره” الذي يبشرون به سيغير كل معادلات العراق، ويعيده وحدة واحدة بيد أهله!!
وبنفس القدر من “رفض الإقليم السني” من قوى “المشروع الوطني السنية” كان “المشروع الشيعي” رافضًا بشدة لأي محاولة للإقليم في اتفاق نادر بين نقيضين، ولكل جهة فلسفتها ومشروعها، لكن تصب في النهاية بتقويض فكرة الإقليم السني.

ولهذا المعنى، تم التجاوز عن الدستور نفسه في قصة “الإقليم” في مناطق السنة، فقد توجهت محافظات “ديالى وصلاح الدين ونينوى” بكتب رسمية وفقًا للدستور، وبتصويت داخل مجالس المحافظات، وجهت كتبًا لمفوضية الانتخابات ولرئيس الوزراء وللبرلمان ولرئيس الجمهورية، بأن مجالس هذه المحافظات تريد التحول لإقليم، وسارت الأنبار على نفس الخطوة.

نوري المالكي رئيس الوزراء في حينها رفض بشكل قاطع الاستفتاء على الإقليم، وتجاوز على الدستور، إذ إنه لم يرفع الطلب للمفوضية من أجل إجراء استفتاء شعبي، ولو جرى هذا الاستفتاء في المحافظات الثلاثة بل والأربعة، لاكتسح دعاة الإقليم الجولة.

والمحافظات الأربعة في نيتها بالأساس أن تقدم نموذجًا آخر من شكل الحكم وهو إقليم شبيه بإقليم كردستان العراق.

حظي المطلب بتثقيف واسع، وبفتاوى دينية مؤصلة، ومؤتمرات وندوات وورش عمل، تستند بمجملها على حفظ الدين والنفس والسياسة، وتتخذ من إقليم كردستان العراق نموذجًا سياسيًّا، بل توسعت الفكرة إلى ما هو أبعد، في العمل على إقامة ودمج الإقليم الكردي مع إقليم المحافظات المنتفضة لتكون المركز مدينة كركوك، لكن “التشيع السياسي” و”التيار الوطني” حاربوا الفكرة بكل ما أوتوا من قوة، فضعفت.

لم يفلح مشروع “محو آثار الاحتلال” بنهج “وطني” من محو أي آثار حتى الآن، لا آثار الاحتلال الأمريكي ولا النفوذ الإيراني الذي أصبحت أقدامها غائصة في الوحل العراقي.

لقد منع “المشروع الوطني نفسه” في تجلي آخر، أثرًا عسكريًّا واحدًا على العراق، هو الأثر التركي، فقد رفض دعاة هذا المشروع “في اتفاق آخر مع التشيع السياسي” أي تدخل عسكري لتركيا في العراق، وعدوا ذلك احتلالًا وسيقاوم، فغابت آثار تركيا عن العراق، وذهب نفوذها مع ذهاب جندها، الذين لم يدخلوا أصلًا للبلاد، بعد أن هددهم دعاة هذا المشروع “الوطني” باستهدافهم عسكريًّا، وهم من حيث يعلمون أو لا يعلمون يقدمون واحدًا من أكبر الهدايا السياسية لمشروع “التشيع السياسي”.

وعلى كل حال، لم يسعف الوقت دعاة “المشروع الوطني السني” من تطبيق مشروعهم على الأرض، ولا نصفه ولا ربعه ولا عشره، واضطر قادته فردًا فردًا لمغادرة العراق، والنظر للبلاد من الأطلال، ويرون في التلفاز جيش إيران وقياداتها تتقدم في البلد رويدًا رويدًا.

وبنفس القدر فإنه لم يسمح لمشروع “الإقليم المنتفض” أو دعاة الإقليم لصناعته، وإجراء أي استفتاء عليه “بالدستور أو بغيره” بعد أن ضعفوا لأسباب عديدة، فقد خرج الأمر لاحقًا من شكله السياسي السلمي إلى الصراع المسلح، ولتنفتح مرحلة جديدة كليًّا، تشبه إلى حد بعيد، مرحلة ما بعد سقوط بغداد في 9/4/2003، وتشكل الدولة، وبروز الدولة الموازية.

نشوء الدولة الموازية

في 9/6/2014 عندما سقطت الموصل، اضطربت السياسة العراقية، وتمكن تنظيم الدولة “داعش” من السيطرة سريعًا على ربع العراق خلال “48” ساعة، إذ تبخر الجيش وقوات الأمن، وصارت الموصل “عاصمة الدولة”.
وفي أول تجليات “الدولة الموازية” تدخل المرجعية الشيعية بإصدار “فتوى غريبة” لم ترد في تاريخها المعاصر تحت بند “الجهاد الكفائي” ولقد مر على العراق مراحل شتى كان أهمها دخول قوات غازية إلى العراق “الاحتلال الأمريكي” وحرب “العراق مع إيران”، ولم تصدر أي فتوى من هذا النوع.

أتاحت هذه الفتوى مساحة واسعة “للدولة الموازية” إذ حُصرت أموال الدولة وكل إمكاناتها في دعم القوات الوليدة التي سميت “الحشد الشعبي”، وهو في حقيقته “حشد شيعي” فيه قلة قليلة من السنة لا يمثلون في أفضل أحوالهم 2%، وبمرور الأيام صارت “قوة موازية للجيش الرسمي”، ثم قوة تتفوق بعددها وبعض سلاحها على الجيش الرسمي نفسه.

دخلت معركة تكريت هذه الأيام، وكان واضحًا فيها تركز المعركة على “الحشد الشعبي والمليشيات” الذين شكلوا “الثلثين” من عدد مقاتلي المعركة، وكان للجيش الثلث فيها.

وقد درجت السياسة على أن يكون وزير الدفاع “سنيًّا” لكنه والحال كذلك، ظهر في معركة تكريت بشكل مهزوز في البداية، وتحدث أمام لجان من البرلمان عن شكوك في أدائه، وبدى ظهوره الإعلامي أكثر من أدائه، فواضح لكل متابع أن المعارك لا تدار منه.

بنفس القدر كانت تتشكل دولة موازية أخرى بعيدة في الموصل، لكنها خارج سياق الدولة الرسمية، وتسمي نفسها كذلك “الدولة الإسلامية” وتعلن الخلافة للناس، وهي تسيطر بشكل تام على الأرض، وتصدر تشريعات وتدرب جيشًا قوامه عشرات الآلاف، فداعش تمكنت خلال هذه الشهور من تطوير قدراتها العسكرية والمالية والتسليحية بما فاق قدرتها منذ نشوء تنظيم القاعدة وحتى الآن، وهذه الدولة الموازية، إذ هي تفتح جبهات عدة في تكريت وقرى قرب كركوك، وفي الرمادي والبغدادي وأطراف الموصل من جهة الكرد، فإنها تخطط لحرب بعيدة الأمد، وتحفر الخنادق للاستعداد لقادم قد يكون فيه نهاية امتلاكهم لأي أرض، فينتقلون من الدفاع للهجوم كما كانوا من قبل في الصحراء.

الحشد الشعبي توأم الحرس الثوري

الحشد الشعبي الذي تأسس بفتوى المرجعية الشيعية، سريعًا ما بدأ يأخذ استحقاقات سياسية، ولقد ظهر “هادي العامري” أحد أركان “المجلس الأعلى” سابقًا، والمنشق عنه لاحقًا، كرمز ميداني منافسي للسياسيين الشيعة، وشكل ظهور جنرال إيران ورجلها في الشرق الأوسط قاسم سليماني، محورًا مهمًا لفهم “الدولة الموازية الجديدة” وعلاقتها بفلسفة “الولي الفقيه” الإيراني.

مع ولادة إيران الجديدة، قرر الخميني عام 1979 تشكيل “قوات الحرس الثوري” بفتوى منه، وسريعًا تشكلت هذه القوة، وصار لها إطارًا قانونيًّا بعد مدة من تشكيلها داخل إيران، ثم ساهمت في قمع الحركات اليسارية والثورية في البلاد، والتي ساعدت على وصول الخميني نفسه لسدة الحكم، لكنه أطاح بها بقوة التشكيل الجديد.

ينتظر في العراق قريبًا صدور قانون “الحرس الوطني”، ومن شأنه أن يرسم منهجًا “موازيًا” لشكل الدولة في بعدها الأمني، وفي تجلياتها السياسية والاقتصادية، حيث أن الحشد الشعبي سيكون عماد هذا المشروع، ولكنه يمهد لشكل شبيه بسياسات إيران الأمنية “الحرس الثوري” نموذجًا.

ورغم ظهور القانون وكأنه في “شكل أمني سُني” لدمج السنة في الحكم، وإحلال التوازن في المؤسسات الأمنية، فإن الراجح في القانون أن تكون مرجعية الحرس الوطني بيد “رئيس الوزراء الشيعي”، وليس بيد “المحافظ ” لكل محافظة، كما يحاول السنة جاهدين وضع هذه الصياغة في القانون.

من المبكر الحكم على هذا القانون الذي لم يشرع بعد، ووصل بالفعل للبرلمان وتمت قراءته لمرة واحدة، لكن الخلاف في “رئاسة ومرجعية هذه القوات” قد يظهر بصيغة وسطية من مركب “الصلاحيات المتنوعة”، وهو ما يجعل “الحشد الشعبي” داخل الحرس الوطني لاحقًا قوة غير مسيطر عليها، ولها صلاحيات خاصة من الدولة ومن خارجها، وتحتفظ بمرجعيتها العسكرية الأولى مع هادي العامري أو من ينوب عنه ممن تربطهم أوثق الصلات بالحرس الثوري وجيش القدس.

وبدرجة أعلى سيكون الحشد الشعبي قريبًا جدًا من إيران التي ساهمت في صناعته وتطويره ورفده بالدعم، وخطته الأمنية أنه سيكون موازيًا للدولة، كموازاة الحرس الثوري الإيراني لتثبيت سلطة الولي الفقيه في إيران.

تخطط إيران لمستقبل العراق، تخطيطًا دقيقًا بعيد الأمد، وبنفس طويل، وتجعله بالتدريج على شكل مشابهة لحد المطابقة مع المنهج الإيراني في الحكم، وهذا ما يظهر الفارق الكبير بين القوى السياسية والميدانية بين السنة والشيعة، فالسنة يظهرون كتائهين في تلاطم المشاريع، لا سيما وأن نصف المناطق السنية في العراق تقريبًا بيد تنظيم الدولة، وداعش جهة خطيرة ومصدر قلق لدول الجوار، أو لكل دولة من الممكن أن تفكر في رسم سياسات مشروع سني للمستقبل، وعلى رأسها السعودية وتركيا، وبدرجات أقل الأردن وأمريكا.

مستقبل السنة في العراق مجهول حقًّا، وكما يقول الكاتب حسن العلوي: اهتم السنة بالوطنية فضيعوا عليهم الوطن، بينما اهتم الشيعة بالوطن ولم يهتموا بالوطنية.

ولا شك أن فرضية نشوء “قوة للسنة لاحقًا” خارج إطار الدولة العراقية، ذات شكل سياسي وأمني من غير دعم خارجي يكاد يكون مستحيلًا، لا سيما بعد خسارات فادحة في الرموز والأموال والثقة، ولأن المنافس “التشيع السياسي” يعتمد بدرجة كلية على إيران في رسم مستقبله، وعلى أمريكا في حمايته من خطر داعش، فهو مسنود من “تحالف دولي عريض” ومن إيران، بينما يفتقد السنة لدولة واحدة ترعاهم وتؤسس مستقبلهم.

وأخطر ما يعانيه السنة هو قول بعض الدول لهم: تعالوا إلينا مجتمعين، وهو شرط تعجيزي غريب، يؤكد أن الدول غير جادة مطلقًا، في تشكيل مستقبل السنة، فلو أرادت هذه الدول الدعم لعملت هي على جعلهم واحدًا، وليس وضع الشروط المستحيلة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد