كـَذَبَـت علينا كُـتُب التّاريخ وخرائط الجغرافيا التي درسناها، حين قالت إننا نعيشُ في إطار وطنٍ واحـدٍ، ثمة حقيقة اكتشفناها مُـتأخرا، أنّ لنـا أوطـانا داخـل هذا الوطن الواحـد.

لا يخـلو مجلس من مجالس الحوار السياسي الواقعي منها والافتراضي إلا وذكر الحديث عن الأقاليم في العراق، حديثٌ يقع أحيانا بين الطرافة والوجاهة، فكل يدلو بدلوه، مستندين على قرائن وبراهين ديماغوجية فضفاضة، وبرغم الأوصاف التي يراد لشـكل الإقليم أن تكون، تبقى هذه الأوصـاف، أوصافا مؤلمة ومخيفة، لكنها سوف تصـبح واقع حال شئنا أم أبينا.

الوثائق التّاريخية التي يَحتجُ بها كل طرفٍ من أطـراف الصـراع في عراق ما بعد 2003، تؤكد أن الأكراد والشيعة وعبر تاريخ طويل، ومنذ نشأة الدولة العراقية الحديثة عام 1921 استطاعوا أن يمارسـوا العمل السـياسي، بين التحدي الجمعي المكشـوف للسـُلطة، وبين الرضوخ التام للسيطرة عليهم، وهذا ما لا نجده في أبجديات العمل السياسي لدى السُنة، الذين عاشوا خلال تلك الفترة على عرش حكم العراق، شكلا بدون مضمون.

ليطرح المشهد في محصلته سؤالا لا يمكن الفرار منه، ألا وهو كيف استطاعت القيادات والنخُب السياسية الكردية والشيعية التمرس والتعايش بين هذين الخيارين؟ وأقصد به خـيار التحدي والرضوخ، كيف استطاعت تلك النخب أن تقدم لجمهورها عددا من الخيارات، من أجل التمرس على أبجديات العمل السياسي؟ من دون أن تصل بجمهورها إلى ما وصل إليه سنة العراق اليوم.

الحقيقة التي باتت تتكشف للعراقيين بعد 2003 تخبرنا بأنّ الحـوارات المخفية أو المقنعة، والتي لم يعلن عنها إلا عندما أدركت حرصا ثم لمست استجابةً من جماهيرها نحو تلك الخيارات، كانت همسات خلف أذن حكام العراق، لم ينصتوا لها أو لم يفهموها أصلا.

بالعودة إلى موضوعنا، فمشكلتنا مع نظام الأقلمة أو الفدرالية، وبحسب ما نستخلصه من قراءتنا [بمنظور عراقي] له، قد ظُلِم من منظورين:

منظور أفرط في المدْح
ومنظور فرّط فيها بالذم

فالأول لم يقرأ عن الأقلمة أو الفدرالية في الغالب، إلا من خلال منظور أيديولوجي، ولنقد أفكار الثاني.

والثاني لم يقرأ عن الفدرالية من أجل أنها قد تكون الحل، بل من أجل توجيه سِهام التخوين للأولى.

وكأنّ المنظورين المنفعلين الحديين اتخذا من الفدرالية حلبة للصراع، بدلا من أن تكون ميدانا للحوار، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل الفدرالية في حاجة ماسة لإعادة قراءتها بعقلانية، وإنصافها وإخراجها من صراع الأيديولوجيا، بلا إفراط ولا تفريط، وبوسطيَّة واعتدال؟
غايتي من هذا أن الجماعات التي تود أن تعلن عن خيار التوجه نحو الدعوة لإنشاء الأقاليم، أود أن أقول لهم، قد لا يخلو حديثكم من وجاهةٍ، لأنه ثمة حقيقة جيوبوليتيكية تشي بذلك، حقيقة لن تجدها في كتب رياض الصالحين أو إحياء علوم الدين أو حتى تحفة العروس، والتي لا تخلو مكتبة من مكتبات السنة منهن، كما يخبرني أحد الأصدقاء من باب الطرافة، بل في كتب اعتدنا على إهمالها أو تمزيقها أو حتى حرقها احتطابا في تنانير الطين.

ليجد سنة العراق أنفسهم فجأة بعد 2003 بلا مشـروع سياسي أو رؤية أو منهج أو استراتيجية، عبثا كانت الحياة على طول القرن الماضي. لكن وبعد هذا كله بات هناك سؤال مُلح لدى الكثيرين، هل نضج خيار الدعوة إلى الإقليم بما فيه الكفاية، هل استنفذ السنة في العراق جميع الخيارات والبدائل؟

قد يبدو للبعض أن عامل الكراهية للممارسات السلطوية التعسفية، هي من وحدت السنة في العراق، وأصبحت هي العامل الأول لإقناع شرائح واسعة من أطياف المجتمعات السنية، التي تعيش اليوم تحت وطأة التهجير وسطوة المليشيات، لـلاتجاه نحو خيار الإقليم، لَكِنِّ هناك من ما زال يبحث عن عامل المحبة المفقود، العامل الثاني الكفيل في طمأنتنا في حال زوال الأول.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد