في مسرحية العيال كبرت 1979 يؤسس سمير الخفاجي في جزءٍ من هذا النص الكوميدي لِآلية خطاب ثقافي سيتبناها المُمثل أحمد زكي في شخصية كمال وهو الشاب العشريني الجامعي المُثقف الذي يسعى لأن يحل مشاكله ومشاكل عائلته بِما يقتضيه الفكر ويقبله العقل ويطاوعه المنطق. حيث يتفرع خطاب كمال عبر مستويين؛ الأول، والذي سيُبنى بشكل حواري دراماتيكي بداية المسرحية بين هذا الشاب ووالده، وذلك بسبب العلاقة التي تربط أحمد زكي بامرأة أربعينية متزوجة سابقًا ولديها أولاد.

الأمر الذي يدفع الأب بعد استنفاده كافة وسائل الحوار أمام ابنه بما يملكه الأخير من أدوات معرفية وحجج منطقية، أن يسمح لنفسه – بداعي المصلحة العُليا للعائلة – في كسر إرادة كمال عبر استخدامه وسائل سلطوية في قمع الأخير ومساعيه، المُتمثلة في عاطفته والتزامه الأخلاقي أمام المرأة التي يُحب. وهكذا فلن يعود أمام كمال سوى الرضوخ، حيث ستصير قضيّته ضرب هزلٍ لن يُقدم ولن يُؤخر فيما يسعى إليه.

يترتب على الأمور السابقة نتيجة واحدة أكيدة، وهو دفع وتأطير وحَشر كمال للعيش ضمن قالب اجتماعي نمطي مُمل، مُبتعدًا عن تطلعاته ومُغامراته وأحلامه، ثم أن يكون جزءًا وتابعًا لتلك السلطة ومكمّلًا لها، عبر أدوات هذه السلطة نَفسها، أيّ الانتقال من صفة انتاجية رؤيوية مُستقلة، إلى نمطِ استهلاكي مُتهالك ضمن المجموعة. سيفقد هذا الفرد قدرته على التفكير، حتى وإن كانت قراراته خاطئة، حتى وإن تعرض للخداع، ذلك ليس على قدر من الأهمية، بل تكمن الأخيرة في أنه الوحيد الذي كان يمتلك القدرة على العقلنة وعمليات الخلق داخل هذا المُحيط.

الأمر الثاني، وهو الأهم، والأطول من الناحية الزمنية، هو خطاب الأبناء – الأبناء المُتمثل بكلٍ مِن: أحمد زكي في دور كمال، وسعيد صالح في دور سلطان، وهو الإبن الأكبر، المادي والفاشل دراسيًا، ثُم يونس شلبي في دور عاطف وهو الأصغر البسيط الذي يعيش قصة حب طوباوية مع سعاد حسني. فعندما يجتمع الثلاثة محاولين إيجاد حل إثر اكتشافهم نية والدهم في الزواج من امرأة تُحبه.

تترتب على هذه المُشكلة نتيجتين ما بين سلطان وكمال، فالأول سيشعر وبشيء من اللامبالاة والتمرد الأعمى، أن فعلًا مثل هذا الفعل، لن يُشكل أدنى تأثيرٍ في حياته الشخصية، وسيكون سؤاله الدائم مُتمركزًا بشكلٍ مباشر في المصلحة المادية. أما الثاني فعلى العكس تمامًا؛ ستظل مشكلة كمال مشكلة تنال من معنوياته ومن مصالح عائلته، مُصرًا في بذل الجهد لمحاولة إيجاد حلول عبر تحليل أسباب تبني والده هذه الخطة، ثم تفكيك ما يترتب عليه من مشاكل لهذا الانفصال، ومن ثم الخروج بنتائج منهجية ومنظمة.

وأما عن النتيجة التي سيخرج بها، أو الحل، فسيُلقيه كمال فيما بعد على مسامع إخوته.. عاطف لن يأبه للأمر؛ فبساطته قد فصلته عن حجم المشكلة، وأما رمضان بأسلوبه الصدامي، سيُطالب كمال بشيء من السخرية في أن يتكلم لغتهم، فهو لا يفهم من خطبته تلك شيئًا «يا عم احنا ناس حمير، أنا راجل حُمار، والبيه راجل جحش، والست هانم بهيمة، احنا ممنفهمش الكلام المجعلص اللي انت بتقوله ده».

في واقع الأمر.. يظل كمال، المُشبّع بحالة يَقِظة من الوعي الحضاري، عالقًا بين مؤسسة دوجمائية تسعى إلى إقصاء تفكيره الذاتي واجتهاده الشخصي وتفكيره الحر في إملاء الأوامر عليه، وبين أفراد بُسطاء شعبويين لا سبيل لهم لا في التصالح مع تلك المؤسسة الأبوية، ولا مع مثال المثقف ذاك الذي يُفكر ويقدم ويطرح حلولًا.. كمال بشخصيته يُشد من الأعلى ويُشد من الأسفل، يظل خطابه خطابًا يشبه نقشًا على الماء، لا يتعاطاه من فوقه ولا يريد فهمه من تحته، حتى يغدو هذا الخطاب، وكل خطابٍ صادرٍ عنه، إعلانًا جافًا، لا يُقولب بالإيجاب، ولا يُرفض بالمنطق، محرومًا من تراكمه المعرفي، مُتقطعًا، منعكسًا عبر هذا النص بقصد أو بدون قصد صراحة، ابتداءًا من تجليات أزمة المُثقف في تعاطيه مع الجديد والقديم وانتهاءً بما يُمكن أن يسمى اصطدامه بأوهام الأصالة، إننا نرى هذه الاستجابات أكثر ما نراها، في المشهد الذي يشرح فيه كمال خطورة التداعيات الاقتصادية لهذا الانفصال. يكون عاطف قد غلبه النعاس موافقًا سلفًا عمّا قيل. أما سلطان، فلا حيلة أمامه إلا أن يهز أكتافه راقصًا على الجهة الأخرى من خشبة المسرح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العيال, كبرت
عرض التعليقات
تحميل المزيد