كل شيء مخطط له مسبقًا، الشعب ليس سوى بيادق تقف في الصف الأمامي، ترخص أرواحه للجلاد والحاكم، الشعب أيضًا دمى متحركة، تحركه أصابع تلوثت بالفساد، لا يريدون لصوته أن يعلو، لسان حال القيادة في غزة يقول اهتفوا بصوت خافت، الويل لكم إن علا الصوت، ألم تألفوا سجنكم؟!

ناقمون على الغلاء المعيشي وشح المال وتزايد الضرائب بشكل لا يحتمل، هكذا خرج شباب غزة للتعبير عن رفضهم لهذا الحال واستيائهم منه، رافعين شعارات رافضة لهذا الوضع مثل «بدنا نعيش» و«يسقط الغلاء» و«الترنس يجمعنا».

تجمع شبابي وحراك سلمي بعيدًا عن الاعتبارات السياسية أو الحزبية في المنطقة، حراك شعبي بامتياز خرج ليقول لا للظلم، لا للغلاء، لا للضرائب، وتضييق العيش، مطالبًا بحقه الطبيعي في الحصول على متطلبات الحياة الكريمة في هذا السجن الضيق.

ساعات قليلة كانت كافية لإخراس صوت الجوع، وكتم صوت المظلومين والناقمين على الوضع والحكومة، إذ قوبل الحراك بالقمع والضرب والاعتداء على الشباب عزل لا يحملون في جعبتهم سوى مطالبهم البسيطة التي أقرها لهم القانون ومنعتها عنهم التحكمات الجائرة، والحجة في ذلك أن الحراك تم دون إذن أو تصريح من الشرطة عدا عن السبّ والشتم الذي قذفوا به الحكومة، بعيدًا عن مدى صحة هذه الحجة فإنها تضعنا في موضع المتسائل هل كانت حراكات العودة منظمة ومصرحة من الشرطة أم أنها كانت مجرد دعوات جماعية للزج بالناس نحو الموت والهلاك؟!

إن ما حدث في حراك الترنس يذكرنا بمشهد تكرر مرات عدة في الضفة الغربية وتحديدًا في رام الله إنه يذكرنا بقمع قوات السلطة الفلسطينية للمواطنين الذين خرجوا قبل شهور احتجاجًا على قانون الضمان الاجتماعي مطالبين بإلغائه، حين انهالت قوات الشرطة على المحتجين ضربًا بالهراوات وقنابل الغاز، المشهد كرر نفسه مع تعديل بسيط، فاختلف سبب الحراك، واختلف المعتدي، وتشابه المظلوم بل إنه كان واحدًا!

صوت الشباب هز قلوب القيادات وزعزع ثباتهم وأخافهم فسارعوا لقمعه قبل أن يعلو متشدقين في قولهم إن سبب الاعتداء على الحراك كان أنه حصل دون إذن من الشرطة!

إن الذين اعتدوا في حراك الترنس على المظلومين والجياع، هم نفسهم الذين دعوا في مثل هذه الأوقات من السنة الماضية لمسيرات العودة والثورة على المحتل، إنهم نفسهم الذين يثورون ويقصفون عسقلان وأسديروت إذا استشهد فيهم قيادي، وهم نفسهم الذين لا يحركون ساكنًا كلما تهاوت أرواح الشباب، ولنا أن نتصور هذه المعادلة المجحفة التي ترجح كفة الحكم في غزة.

في السنة الماضية ثارت غزة على المغتصبين والمعتدين واليوم تثور على القيادات التي تتحكم في حياة الشعب ومقدراته، لقد آن للشعب أن يستفيق ويقول لا في وجه الحكمين وأن يرفض الخنوع والاستسلام لأي منهما.

إن ما حدث اليوم يثبت لنا بما لا يقبل الشك أن القيادات في غزة حادت عما وجدت لأجله، وسلكت مسلكًا أعوج حين أرادت فرض إرادتها وسلطتها وسطوتها على الشعب، وأنها بفعلتها هذه ما هي إلا الوجه الآخر للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية، إنهما وجهان لعملة واحدة، يأمران وينهيان ويعتبران نفسيهما الوصي الشرعي على هذا الشعب، وعليه حرام على صوته أن يعلو فالصوت عورة! ويمنع عليه قول لا سوى في التشهد والصلاة!

فالحرية هي ما يقولونه ويفعلونه وما دون ذلك هو فساد وخروج على أمرهم.

طغى الفساد في برنا وبحركم يا أهل غزة، وتربعت رؤوسه على العرش مسبحة باسم القوة حاكمة باسم الدم، مقتصة من المستضعفين الذين يمسون خيلاءها، غير آبهة بصوت الجوع وأنين المرضى، فما دامت القيادات بخير فالشعب بألف خير وإن لم يكن كذلك فليذهب إلى الجحيم!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد