الدين، الإيمان، الإله، أسئلة ظلت مطروحة منذ أمدٍ بعيد تدور في أذهان البشر، ولطالما شكلت الأديان حلقة هامة في تطور الأمم وتغيير أسلوب حياتها، ومنذ عهد الإنسان البدائي الأول شغلت ماهية الوجود حيزًا كبيرًا من تفكير البشر انطلاقًا من نقطة من أوجد الكون؟ ما هي القوى المؤثرة في حياتنا، لذلك كان الإنسان مهيأً دومًا لتقبل فكرة وجود إله أو وجود قوة خارقة تسير الكون، اهتدى عقل الإنسان البدائي الأول لعبادة الطبيعة لتصوره أنها مصدر القوة فعبد الرياح ذات القوة التدميرية التي لا يقوى شيء على الوقوف أمامها، ثم عبد الشمس ذلك الكوكب الضخم الذي لا يضاهيه مثيل في قوة إضاءته وحرارته، بينما اتجه آخرون لعبادة القمر الذي هو مصدر الضياء وقاهر الظلام، بينما فضل آخرون عبادة الجبال والبحار والحيوانات التي تتمتع بقوة جسدية كبيرة وذلك لارتباط مفهوم الإله دائمًا بالقوة وأن الإله هو القوي لذلك نجدهم اتجهوا لعبادة كل ما هو قوي، ولكن ما لبثت هذه المبادئ أن تغيرت خاصةً بعد حدوث تطور في العقل البشري حيث أصبح أكثر تقبلًا لفكرة وجود إله أقوى يحرك هذه القوى الطبيعية كلًّا على حدة حيث ظهر إله للشمس وإله للقمر وآلهة أخرى للأشجار والبحار والرياح.

ولكن لم تلبث هذه القناعات أيضًا أن تغيرت مع تغير الإنسان حيث ظهرت لديه ملكات الرسم والنحت فاتجه للرسم على الكهوف والنحت على الصخور حيث ظهرت في هذه المرحلة صور جديدة من العبادة تمثلت في عبادة الإنسان لأشياء يوجدها بنفسه، فصارت لكل مجموعة سكانية أشكال معينة منحوتة لتعبد وهذه كانت من أوائل صور التفكير في خلق صورة للإله أو اختراع هيئة معينة يجب أن يظهر فيها الإله، فظهرت الأصنام التي تعبد ويُنسب لها إحداث الخوارق والتحكم في حركة الكون، إلا أن هذا المفهوم ما لبث أن تغير مع تغير الأزمان وتطور الذكاء البشري حيث انبرى عدد من الناس ونصّبوا أنفسهم آلهة مستغلين حاجة الإنسان إلى شيء محسوس ليؤمن به ويتبادل معه فروض الولاء ويتقبل منه أشياء نظير الطاعة، كل هذه العوامل والتراكمات أسست لفكرة الدين.

ظهر مصطلح «الثُيُوقراطية» نتاجًا للحضارة الإغريقية وهو مكون من جزءين أو كلمتين في اللغة اليونانية الأولى «ثيو» وتعني الدين و«قراط» وتعني الحكم، وهي «نمط حكم تدّعي فيه السلطة الحاكمة أنها تستمد شرعيتها من الله ويدعي الحاكم أنه يحكم باسم الله وبالتالي يلغي أحكام الشرعية السياسية باعتبار أنه يستجيب للإرادة الإلهية ويكون الناس مجبورين على الطاعة العمياء لهذه السلطة انطلاقًا من الحق الإلهي»، كما تعني الثيوقراطية «حكم الكهنة أو الحكومة الدينية أو الحكم الديني بموجب تفويض من الإله مباشرةً»، من أبرز صور الحكم الثيوقراطي في الدول عبر التاريخ الخلافة الإسلامية والفاتيكان، والصين خلال حكم مملكة شانغ، والإمبراطورية البيزنطية، الإمبراطورية الرومانية، مصر القديمة، فارس، المملكة المتوكلية اليمنية، وحديثًا إيران، السعودية، باكستان، أفغانستان، السودان.

مع ظهور ديانات كثيرة ووجود آلهة متعددة ومختلفة على مر الزمان صار الإنسان أكثر قبولًا لفكرة وجود إله واحد لا شريك له وأصبح أكثر إلحاحًا لمعرفة ما هو هذا الإله وكيفية الوصول إليه مما أدى لضرورة وجود رسل لهذا الإله يخاطب من خلالهم عابديه ويوصل لهم رسالته، ويكون هذا الرسول هو همزة الوصل بين الإنسان العابد والإله المعبود، لذلك كانت هناك دائمًا حاجة لرسل يتولون القيام بهذه المهمات، أول الأديان نزولًا كانت اليهودية على يد النبي موسى ثم تلتها المسيحية على يد النبي عيسى، لتختم بالإسلام الذي جاء به النبي محمد صلاة ربي عليه حيث صارت هذه الديانات من أكبر الديانات من حيث عدد المعتنقين ويطلق عليها الأديان السماوية.

قبل نزول الأديان السماوية كانت هناك ديانات لكل حضارة أو مجموعة سكانية؛ فحضارة وادي النيل المسماة «الفرعونية» كانت تعبد مجموعة من الآلهة أو أنصاف الآلهة كما أُطلق عليها نسبة لحدوث تزاوج بين البشر والآلهة فهناك آمون إله الشمس وهو نصف إنسان ونصف حيوان، وهناك الكثير من الآلهة التي أقيمت لها المعابد بل كان حتى الفراعنة أنفسهم يعتبرون أنفسهم آلهة وهذه كانت من أوائل صور الثيوقراطية حيث كان الفرعون ينصب إلهًا من قبل كهنة المعبد لإضفاء شرعية إلهية عليه واعتبار أحكامه سارية كونها مستمدة من الإله مباشرةً، وأشهر فرعون اتُّخِذ إلهًا كان الفرعون رمسيس الثاني الذي كان يحكم في الزمن الذي بُعث فيه النبي موسى بديانة اليهودية، أما الحضارة الإغريقية فكانت صاحبة السبق فيما يتعلق بالآلهة لكثرة ما عبدت هذه الحضارة من آلهة حيث كان لديهم آلهة للحكمة وآلهة للأرض وآلهة للجمال وأخرى للحرب والسلام، وتقريبًا كان لديهم إله مخصص لكل شيء، ومن صور الثيوقراطية في الحضارة اليونانية أن القيصر ينسب للإله بالولادة مباشرة دون المرور ببوابة رجال الدين حيث كان هناك العديد من القياصرة والقواد ممن يُعدّون أبناءً للآلهة الأمر الذي كان يضفي عليهم شرعية مقدسة ويعطيهم صلاحيات واسعة من غير أن ينقصها منهم أحد باعتبارهم أبناء للآلهة أو تجسيدًا لصور الآلهة أنفسهم.

مع انتشار الديانة المسيحية في أنحاء كثيرة من المعمورة عمدت الكنيسة إلى كتابة عدد من الأناجيل التي سمتها منقحة وهي في الحقيقة محرفة، كإنجيل متى ويوحنا ومرقس وإنجيل لوقا وكتّاب هذه الأناجيل التي سميت على أسمائهم هم تلاميذ ورسل للنبي عيسى أو «المسيح» كما ظهرت عدد من الطوائف التي تتبع مذاهب معينة من المسيحية الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت، من صور الثيوقراطية في المسيحية الدور الذي لعبته الكنسية في العهد الإقطاعي حيث كانت الكنيسة متحكمة بمصير شعوب بأكملها مانعةً حتى العلم عنهم لأن العلم يؤدي إلى تبصير العامة بحقوقهم ومعرفتها حيث واجه كبار علماء الغرب المسيحيون معارضة كبيرة من الكنيسة تجاه أفكارهم واختراعاتهم حيث اتهموا بالإلحاد أو التجديف مما أدى في أحايين كثيرة إلى قتلهم، كأمثال العالم «جاليلي جاليليو»، تصدرت الكنيسة الموقف في الكثير من القضايا أبرزها تنصيب الملوك والأباطرة حيث كان البابا دائمًا حاضرًا في تنصيب أشهر الملوك المسيحيين كنابليون والملك آرثر ولويس وغيرهم حيث استمد هؤلاء الملوك قوتهم من مباركة الكنيسة لجلوسهم على كراسيهم المذهبة حيث استخدموا هذه المباركة فيما بعد للبطش بالشعوب مستندين على شرعية إلهية أعطتها لهم الكنيسة مقابل منافع مادية أو المحافظة على نفوذ قائم للكنيسة حيث كان دائمًا ما يُشار إلى حكمهم بأنه صادر من الإله مباشرة عن طريق الكنيسة وأنه ظل الله على الأرض والقائم بأمره.

كانت صكوك الغفران من أوضح الصور التي تجلت فيها الثيوقراطية في المسيحية حيث أعطت الكنيسة لنفسها حق غفران ما يرتكبه الإنسان من ذنوب وخطايا نظير مبلغ من المال يدفعه للكنيسة أو أحد العاملين عليها استنادًا على ادعائها بالحق الإلهي الذي يبيح لها ذلك ويعطيها سلطة غفران الذنوب، حيث كانت الكنيسة نفسها حكومة مصغرة، كما سيطرت النخب المسيحية على العامة عن طريق استخدام الدين حيث ساد في المجتمع الإقطاعي أن يجمع الفلاحون محصولهم بعد حصاده في الكنيسة لأخذ البركة وهو نفس المحصول الذي تمت زراعته من تقاوٍ أخذت من الكنيسة نفسها باعتبارها مباركة أيضًا، قبل أن تحدث الثورات الصناعية والاجتماعية التي قلصت من سلطات الكنيسة وأعادت للمؤمنين المسيحيين إيمانهم وثقتهم بالكنيسة من دون أن تتحكم بهم المؤسسة الدينية باسم الإله.

شكلت حركات الإسلام السياسي وجهًا آخر لممارسة نمط الحكم الثيوقراطي استنادًا على الخلفية الإسلامية حيث اتخذت من تمكين الدين الإسلامي هدفًا تسعى من خلاله للوصول لحكم بلدانهم، وقد نجحت بعضها في الوصول للحكم كالنهضة في تونس والجبهة الإسلامية في السودان والإخوان المسلمين في مصر وحماس في قطاع غزة، إلا أن حزب العدالة والتنمية في تركيا قد استطاع أن يحقق نجاحًا منقطع النظير في وسط علماني ويحقق نجاحًا في تجربة الحكم استنادًا على النجاح الذي حققه في الاقتصاد التركي، وبغض النظر عن الأدوار التي تلعبها حركات الإسلام السياسي حديثًا فإنها تشكل شكلًا من أشكال الثيوقراطية حيث إنها تعطي لنفسها الكثير من الصلاحيات عن طريق تقديم نفسها على أنها حامية الإسلام والقائمة على تنفيذ أوامر الله في الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد