يصر كثير من الملاحدة بأن العلم نقيض الدين، ويصر المتدينون أيضًا بأن الدين يوافق العلم، وربما يسبقه؛ حتى أصبح الجدل في العلاقة بين الدين والعلم بيزنطيًّا، ينتهي في العادة إلى نفق مسدود، فمثلًا في نظرية النشوء والارتقاء، أُلف من قِبل علماء البيولوجيا الكثير من الكتب لتأكيدها، وكذلك ألف الكثير من الكتب لنسفها، وكلهم علماء يتحدثون باسم العلم الحديث، وهذا التناقض عند العلماء طبيعي؛ لكون العلم يصحح نفسه بنفسه مع مرور الزمن، هذا في قصة بداية الخلق على سطح الأرض، أما في نظرية الانفجار العظيم وانطلاقة الكون، فهناك الكثير من العلماء من يؤكدها، ويستبشر المؤمنون بها كثيرًا، وكذلك هناك كثير من الملاحدة مؤيدين لنظرية الأكوان المتوازية، ويحتجون بها لنسبة العشوائية فيها، وكلهم أيضًا علماء متخصصون في مجالهم، يقدمون وقودًا يستعمله كل من المؤمنين والملحدون؛ لتأييد ما يؤمنون به، حتى اعتقد الكثير بحل وسط بين هذا الصخب، وهو أن العلم محايد لا يستطيع إثبات وجود الله، وكذلك لا يستطيع نفيه.

ولنا أن نسأل، لماذا قضية وجود الله مرتبطة دائمًا بالعلم ونتائج أبحاثه؟ ولماذا يصر البعض على الفصل بينهما، بينما هما مرتبطان ارتباطًا جذريًّا؟ والدليل على ذلك هو الجدل المتلازم من قِبل العلماء أنفسهم، قبل جدل المؤمنين والملحدين، فالسؤال عن الله هو سؤال أزلي، قديم قدم الزمان، حتى برهن بعض الفلاسفة على وجوده من خلال السؤال عنه، فلو لم يكن الله موجودًا، لِم سألنا عنه أساسًا؟! وقد ذكر الفيلسوف «أبو حامد الغزالي» في كتابه «المنقذ من الضلال» عمّا أسماه الطالبين إلى الله، وقسمهم إلى أربعة، وهم كما يلي:

  1. الفلاسفة.
  2. علماء الطبيعة.
  3. المتكلمون.
  4. الصوفيون.

 

هؤلاء كلهم بطريقة أو بأخرى يبحثون عن الله، ولكل منهجه الخاص، وطريقته في البحث، والجميع يدلو بدلوه في المسألة، والاختلاف يكون في أن عصرنا هذا كما أكد العالم النوبلي «أحمد زويل» هو عصر العلم بامتياز، فقد غير علماء الطبيعة حياة البشرية جمعاء، واستطاع البشر التغلب على الطبيعة، وترويضها بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية؛ حتى تنحت الفلسفة قليلًا من المشهد، حتى توهّم بعض العلماء بأنها ماتت، فهم وحدهم من يحملون شعلة الحقيقة للإنسانية، في الإجابة عن أهم الأسئلة التي أرهقت عقول البشر منذ فجر التاريخ، أما أهل الأديان فقد ساهم العلم الحديث بشكل جذري في تحرير أفكار الناس من خرافاتهم، ولنا في قصص الكنيسة وتهمة الهرطقة التي ألصقتها في وجه كل عالم خير دليل على ذلك، ونحن العرب والمسلمون كنا ولا زلنا نتلقى من الغرب دون إضافة أو تعديل؛ لأننا وللأسف خارج إطار الحضارة، بل وقد انقسمنا لقسمين أمام المد الحضاري الغربي وعلومه الوافدة؛ الأول: هو متلق منه على مضض، والآخر: مقاطع له، لكنه في ذات الوقت مضطر للاستهلاك من الحضارة الغربية!

الإلحاد اصطلاحًا: هو إنكار وجود الله، والإيمان به هو العكس، والعلاقة بين الإلحاد والعلم تكمن في طريقة التفكير العلمية والغيبية، فالإيمان بالغيب مثل الإيمان بالله، والملائكة، والجن يقتضي التسليم فقط، فلا يمكن إثبات وجود الشياطين مثلًا بالمجهر؛ لأن منهج العلم الحديث مبني على شيئين رئيسين، وهما الملاحظة والتجربة، بينما منهج الغيب هو التسليم بالكتب المقدسة دون نقد أو تشكيك، ولا شك أن الاختلاف بين المنهجين شاسع جدًّا، ومن سوء حظ المتدينين أنهم يربطون ظواهر الطبيعة دائمًا بالغيب، ويعفون أدمغتهم من التفكير في أسبابها الحسية، فينسبونها بجهلهم إلى الله – وهو كذلك لكن في عالم ما وراء الطبيعة – بينما العلميون يحللون الظواهر الطبيعية كما هي، فيخرجون لنا بنتائج تعود بالنفع للبشرية، وقد قال الشاعر في هذا:

لما جهلت من الطبيعة أمرها ** وجعلت نفسك في مقام معلل

أثبت ربـــا تبتغي حلًا به ** للمشكلات فكان أكبر مشكل!

من تواضع العالم الألماني «ألبرت أينشتاين» صاحب نظرية «النسبية» أنه كان يرى على العلماء تقديم ما لديهم من معلومات بشأن الطبيعة، ثم يترك المجال للمتكلمين في ما وراءها، مثل الفلاسفة، وأهل الأديان وغيرهم ليقولوا ما يشاءون، والحق أن العلم نفسه يغرق في الغيبيات أيضًا، فلا يمكن مثلًا رؤية الذرة أو الإلكترون، ولكن العلماء استطاعوا من خلال طريقتهم التحليلية توظيفها فيما يعود بالنفع للبشرية، وساهموا بشكل رئيسي في نبذ الخرافة من عقول البشر، وعمل بعض المتدينين المتحررين على الفصل بين عالم الغيب والشهادة والتعامل مع الطبيعة باعتبارها طبيعة، بغض النظر عن ما يؤمنوا بما وراءها، وبهذا الشيء استطاع الكثير الحفاظ على إيمانه بالغيب، مع مواكبته لهذا العصر الوافر بالمعارف، ومن بدائع القرآن الكريم أنه أطلق تسمية الغيب وفصلها عن الشهادة، بل وامتدح الذين يؤمنون به، وقد استشهد البروفيسور العراقي «محمد باسل الطائي» في الجمع بينهما بآية {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ}؛ إذ إن توصيف (حسبان) لحركتي الشمس والقمر توصيفًا دقيقًا للغاية؛ لكونه جمع حساب، وهذا دليل على حسابات رياضية معقدة، وهذا أمر حسي محض، بينما سجود النجم والشجر فهو غيب محض، وقد جمع القرآن بين الشيئين مثل الجناحان الذي يحلق بهما الطائر في الآفاق، لكن معظم المسلمين وللأسف لا سيما المتدينين منهم يخلطون بين الأمرين، وهذا يدعم بالضرورة حجج الملاحدة في نبذ الدين، والحق أن مسائل الغيب لا يمكن للعلم الحديث الإجابة عنها؛ نظرًا لمنهجه الصارم من خلال الملاحظة والتجربة، وأيضًا كوننا لم نمت بعد، ولم نرَ الله والآخرة والملائكة؛ ولأجل ذلك نزلت الكتب المقدسة، لتخبرنا بما لم يكن بمقدورنا التوصل إليه، فهما إذًا جناحان لطائر يحلق في الفضاء كما ذكرنا.

بقي أن ننوه على أمر حساس جدًّا، وهو أننا عرب ومسلمين لا زلنا نتلقى من الغرب العلوم، ولا شك أن أمامنا مشوار طويل؛ حتى نصل لمنافستهم في هذا الميدان، والعلماء الغرب عندما يتحدثون باسم العلم الحديث عن الله والدين فإنهم يسقطون نتائج أبحاثهم العلمية، ويقارنوها بما يعرفونه عن الغيب من خلال الكتب المقدسة المنحولة عن الله، فمثلًا نجد الراحل «ستيفن هوكينج» وهو متخصص في الثقوب السوداء، التي يعتقد منها خلق كوننا، ويقول «هوكنج» بملء الفم يسألني الناس، لماذا أنت ملحد؟ فأقول لهم ببساطة لم يكن هناك وجود للزمن أثناء انطلاقة الكون، حسب نتائج العلم الحديث، حتى يتسنى لله خلقه؛ إذًا فكوننا هذا وجد من لا شيء، فلا وجود لله أساسًا! وهذا – في نظري – منطق طبيعي جدًّا، فقد يكون إلحاد الغربيين مبررًا لكون الله الذي يعرفونه من خلال الكتب المقدسة المحرفة إلهًا بشريًّا، مرهونًا بظرف الزمان والمكان، لكن إلحاد العرب باسم العلم الحديث غير مبرر بالمرة، فالإله في القرآن الكريم خارج إطار الزمان والمكان كما في آية {وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} وآية {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، ووحدها العقيدة الإسلامية من تخرجنا من هذا المأزق الخانق، الذي وقع فيه جهابذة علماء الغرب، وجعلهم ينقادون للإلحاد باسم العلم.

.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد