بهدوء وبصراحة

بعد أن قام تنظيم داعش كما أعلن قبل ذلك بقتل عدد من مسيحيي سيناء بطريقة همجية إرهابية، ثم التفجيرات الإرهابية التي طالت عدة كنائس مصرية في القاهرة أولًا، ثم في طنطا والإسكندرية، والتي راح ضحيتها العشرات من المصلين الأبرياء الذين ذهبوا للكنيسة للتعبد، أو الاحتفال بالأعياد. ومع هول تلك الجرائم وفظاعتها فلا بد من وقفة للحوار والمصارحة.

يحتاج مسلمو مصر ومسيحيوها للحوار بكل هدوء، وبكل صراحة حول المشاكل التي تخص كل منهما على حدة، والمشاكل التي تخص العلاقة  بين الطرفين، كما يحتاجون للمناقشة سويًا حول قضايا مثل هوية مصر  وانتمائها وثقافتها ودورها الإقليمي، وطبعًا سيكون هناك خلافات كثيرة وأحيانًا كبيرة، ولكن استمرار الحوار والمصارحة ومحاولة الوصول للحد الأدنى من الاتفاق مع ترك القضايا التي لن يتم الاتفاق عليها لمرحلة تالية من الحوار، أو حتى للأجيال التالية.

ولكن قبل الحوار لا بد أن يكون هناك اتفاق على عدة مسلمات:

1 – مصر شعب واحد وليست شعبين عرب ومصريين: ذلك أنه بعد  الفتح الإسلامي لمصر لم تتغير تركيبتها السكانية، وكان عدد العرب الذين استوطنوها لا يتعدى عدة آلاف تعد على أصابع اليد الواحدة، مقابل مليونين ونصف المليون مصري، كما أنه في الغالب لم يحدث في البداية اختلاط بين العرب المهاجرين الذين فضلوا الاستيطان في التخوم الصحراوية المجاورة للأراضي الزراعية، وظلت مصر ذات أغلبية مسيحية بعد الفتح الإسلامي لعدة قرون تغيرت خلالها تدريجيًّا، ولو أننا نقلنا كل سكان الجزيرة العربية إلى مصر زمن الفتح الإسلامي، فإن سكان مصر كانوا أكثر منهم عددًا، أي أنهم لن يستطيعوا تغيير تركيبة مصر السكانية، (ومع ذلك لم يتم تفريغ الجزيرة العربية البالغ سكانها في ذلك الوقت حوالي مليون عربي؛ بل ظل بها معظم قاطنيها في أماكنهم بالجزيرة العربية،  كما أن من خرج منها للبلاد المفتوحة توزع على مصر وشمال إفريقيا والأندلس والشام والعراق وأواسط آسيا).

إذن نحن سكان مصر جميعًا من المصريين الأقحاح، ولكن أجدادنا نحن المسلمين تركوا المسيحية واعتنقوا الإسلام، وبقي إخوة لهم على دينهم، ومع ارتباط المسلم باللغة العربية بدأت مصر تتغير تدريجيًّا مع كل دخول للمصريين في الإسلام إلى اللغة العربية، ورغم أنه بعد ذلك تولى حكم مصر الكثير من الحكام من غير العرب من المماليك والأتراك، إلا أن مصر ظلت عربية بعد ذلك، ولم تتحول إلى التركية رغم الحكم والإدارة التركية التي استمرت عدة قرون. والملاحظ أن العرب الذين هاجروا لمصر ما زالوا موجودين في مصر عربًا، ويفتخرون بعروبتهم مثل القبائل العربية في مطروح والبحيرة والشرقية والصعيد، ويطلق عليهم حتى الآن العرب.

ولذا فلا بد من محاسبة من يدعي أن المسلمين ضيوف في مصر، ومن يدعي أن مصر خالصة للمسلمين دون غيرهم.

2 – لا بد من الاتفاق أيضًا أن للمسيحيين قضايا لا بد من مناقشتها بصراحة، مثل بناء كنائسهم، والتعيين في وظائف حكومية معينة، وأحوالهم الشخصية، وغيرها من القضايا التي  يشعرون أن لهم حقًّا فيها.

3 – هناك قضايا تخص العلاقة بين المسلمين والمسيحيين لا بد من مناقشتها بكل صراحة بين الطرفين، مثل قضايا:

أ- زواج المسيحيات بمسلمين، أو تغيير الديانة مثل دخول مسيحي في الإسلام، أو دخول مسلم في المسيحية، لا بد من مناقشتها في إطار حقوق الإنسان اللصيقة به، والتي لا تختلف باختلاف دينه. كما ينبغي مناقشة مشاكل المسيحيين الذين تحولوا للإسلام، وتم احتجازهم بالكنائس بزعم عودتهم للمسيحية.

ب- كما أن للمسلمين أوقافًا تخضع لسيطرة الدولة ورقابتها، فإنه ينبغي أن تخضع الأوقاف المسيحية لسيطرة الدولة ورقابتها، حتى لو تم تعيين نائب مسلم لوزير الأوقاف للأوقاف الإسلامية، ونائب مسيحي لوزير الأوقاف للأوقاف المسيحية، وأيضًا كما أن المساجد تخضع لسلطة الدولة فلا بد أن تخضع الكنائس والأديرة لسلطة الدولة أيضًا كسلطة حكم دون تدخل من الدولة لا في شئون المساجد، ولا في شئون الكنائس.

ج – كما أن أعداد المسلمين والمسيحيين ينبغي إعلانها بصراحة، وذلك لأن الخدمات التي تقدم لمناطق معينة، وخاصة ما يتعلق بدور العبادة لا بد من أخذها في الحسبان.

د – لا بد من إزالة التوجس والريبة حين يتعامل مسلم مع مسيحي، أو يتعامل مسيحي مع مسلم، فنحن شعب واحد اعتنق دينين سماويين، وحسابنا جميعًا عند الله عز وجل، والمسلم يعتز بإسلامه كما يعتز المسيحي أيضًا بمسيحيته.

هـ – كما ينبغي التوقف عن مهاجمة العقائد الخاصة بالمسلمين والمسيحيين؛ لأن كلًّا يعتقد أنه على الحق، ومع ذلك من حق المسلم أن يتمسك بعقيدته أن عيسى بن مريم رسول الله، ولم يقتل على الصليب، ومن حق المسيحي أن يتمسك بأن يسوع هو الله وأنه مات على الصليب.

ولكن ليس من حق رجل دين مسيحي أن يخرج على وسائل الإعلام ليعلم المسلمين دينهم، ولا أن يهاجم مذاهب إسلامية معينة، فلا يخرج رجل دين مسيحي يهاجم السلفية والوهابية باعتبارها الرحم الذي يخرج منه الإرهاب، فتلك مذاهب إسلامية يحترمها جموع المسلمين حتى لو اختلفوا مع أشياء فيها، وأيضًا لا ينبغي لشيخ مسلم أن يعلم المسيحيين دينهم، ولا أن ينتقد مذاهب مسيحية معينة، ويدعو لمذاهب أخرى تتوافق مع الإسلام.

ولكن ليس معنى ذلك التوقف عن البحث العلمي والدراسة للعقائد الإسلامية والمسيحية ونقدها كل حسب دينه، ولكن فقط في دوائر البحث العلمي والجامعات دون أن يكون ذلك موجهًا للعامة. ذلك أن أي مسلم أو مسيحي سيشعر بالغضب إذا وجد واحد من غير دينه يحاول الانتقاص من دينه أو عقيدته.

وأخيرًا مصر بلد واحد، ووطن واحد للمسلمين وللمسيحيين، وإن أصاب الوطن حريق فإنه سيحرق المسلم كما سيحرق المسيحي، وإذا كان أجدادنا قد عاشوا في سلام متجاورين فإننا نستطيع ذلك أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الفتح الإسلامي لمصر
كيف تحولت مصر للإسلام
عرض التعليقات
تحميل المزيد