علاقة المريض بالطبيب

منذ أزل الدهر كانت العلاقة بين الطبيب والمريض علاقة متفرّدة تتخللها حالة من الخضوع والانسياق بل الحب والإعجاب من جانب المريض تجاه طبيبه الذي هو ملجؤه وملاذه بعد الله – عز وجل – حتى بالغ الشعراء السابقون والمحدثون سواءً في وصف تلك الواشجة العظيمة فقال الثعالبي في القديم:

لقد طَرِبَ المحبُّ إلى الحبيـــبِ…كما طَرِبَ المريضُ إلى الطبيبِ

فعند الثعالبي علاقة المريض بطبيبه تشبه علاقة المحب العاشق بمعشوقه، يشتاقه قلبه ويتلهف إليه، أما في الحديث فهذا ناصيف اليازجي وصف انشراحه لرسالة من حبيبته له كانشراح المريض في حضرة الطبيب فقال:

ورِسالةٍ أَنِسَ الفُؤاد بوفـــــدها…أُنْسَ المريضِ إلى الطبيب الوافدِ

يالله! ما أجمل تلك الأيام الخالية التي كان فيه الطبيب ملكا متوجا على عرش مرضاه المحبين الوالهين! ويا حسرتاه على أطباء اليوم وما يحدث لهم من مرضاهم الثائرين الممتعضين! وهاكم بعضا من تلك الأخبار:

لن أحدثكم عن الأطباء الذين يتم ضربهم والاعتداء عليهم في استقبال المستشفيات الحكومية فيفرّ بقية الأطباء خالعين معاطفهم البيضاء لئلا ينالهم نصيب من الضرب! لن أحدثكم عن هذا لأن تلك الأخبار صارت مألوفة إلى حدّ التواتر في بلادنا! كما أننا معاشر أطباء العيون لا نتعرض لتلك المواقف كثيرا لطبيعة تخصصنا المسالمة وهذا فضل من الله خصوصا أننا لم نتعلم فنون المصارعة والكراتيه للدفاع عن النفس! فالحمد لله، الحمد لله! ولكني سأحدثكم عن مسائل أخرى تضايقنا من مرضانا.

هناك نوع من المرضى أسميهم (المرضى المتشككين) وهم مرضى يذهبون للطبيب وهم يشكون في كفاءته وضميره ابتداءً! لقد انطبع في أذهانهم أن الأطباء جميعا أو غالبا إمّا غير أهل كفاءة وإما بلا ضمير! فحينما تذكر له تشخيص مرضه ستجده يجادلك في تشخيصك غير مقتنع بكلامك إما تصريحا وإما تلميحا، فتحاول أيها الطبيب توضيح الأمر له ولكنك تفجأ بمزيد من المراء المختلط بالريبة! خصوصا أن يكون ذلك المريض عنده باع من الثقافة فتجده يستعرض معلوماته الطبية بطريقة مستفزة تشعرك أيها الطبيب أنك أقل منه علما!

ومهما صنعت له أيها الطبيب فلن يرضى عنك ذلك المريض لأنه يشعر أنه إنما ينال حقه الخالص منك بماله الذي دفعه لك – في حالة مجيئه لك في عيادتك الخاصة – أو بتكليف من الدولة التي تعطيك راتبك – في حالة مجيئه لك في المستشفى الحكومي، وهذا الصنف من المرضى متعب جدا للطبيب يستهلك طاقته الذهنية والعصبية، وهذا النوع ليس بمستغرب في مجتمع فشا فيه الفساد وانعدام الضمير.

فغالبا قد تعرّض هذا المريض المتشكك لتجارب سلبية هو أو أقرباؤه مع أطباء آخرين جعلته يقدم سوء الظنّ، سوء الظن بضمير الطبيب إذا ذهب إليه في عيادته الخاصة لاعتقاده أنه سيتحايل لينهب منه مزيدا من الأموال! وسوء الظن بعلمه وخبرته إذا قدم إليه في المستشفى الحكومي لاعتقاده أن أطباء المستشفيات الحكومية قليلو العلم والكفاءة يتدربون على المرضى كما أنهم كذلك قليلو الضمير يريدون استدراج المرضى لعياداتهم الخاصة! وأنا هنا لست بموقع الدفاع عن الأطباء وإنما في موقع الهجوم على المجتمع الذي كثر فيه الخبث حتى ظن عامة الناس من كثرة تجاربهم السلبية أنه لا يوجد خير في بشر يعيشون تحت سماء ذلك الوطن!

هناك نوع آخر من المرضى أسميهم (المرضى الممتحِنين) وهم مرضى جاءوا إليك ليمتحنوك ويختبروك، وهذا النوع من المرضى يذهب لطبيب فيعطيه تشخيصا وعلاجا فلا يقنع المريض بمقالة طبيبه حتى يعرّج على طبيب آخر ليقارن التشخيصين والعلاجين! ولهذا النوع من الناس تعامل خاص ينبغي على الطبيب أن يدركه جيدا، ففي اللحظة التي يفهم فيها الطبيب أن المريض قادم له من عند طبيب آخر عليه أن يخفض له جناح الذل من الرحمة بل يحمل المريض فوق رأسه لئلا يلقيه المريض في نفس السلّة التي ألقى فيها الطبيب السابق، كما عليه ألا يعيب الطبيب الآخر ولا ينتقص قدره وإن وجد تشخيصه خاطئا؛ لأن أخلاق المهنة توجب على الطبيب أن يحترم زملاءه مهما أخطؤوا وألا يصطاد في المياه العكرة بأن يكسب المريض فوق جثة وعظام الطبيب السابق وعلى ذلك الطبيب في النهاية أن يدرك أنه كما يدين يدان.

وهناك نوع من المرضى أسميهم (المرضى الثرثارين) وهم مرضى غالبا يعانون من الوحدة والفراغ العاطفي! فلا يكادون يدخلون للطبيب حتى تنفتح أفواههم فلا تنغلق أبدا! يتحدثون عن مرضهم ثم يتبعونه بالحديث عن حياتهم الاجتماعية والأسرية ثم لا بأس بالحديث عن السياسة والاقتصاد والمواصلات و… و… يحاول الطبيب عبثا أن ينهي الحوار ليتفرغ لبقية المرضى المنتظرين خارج العيادة، ولكن هيهات هيهات! لن يتركه ذلك المريض الثرثار حتى يصدّع رأسه ويقرع طبلة أذنه ويستنفد أعصابه المنهكة فيضطر ذلك الطبيب المسكين أن ينتظر ذلك المريض مغلوبا على أمره متضرعا إلى الله حتى يعفو عنه ذلك المريض ويعتقه لوجه الله!

أما المرضى الأطفال فحدث عنهم ولا حرج! فحينما تكشف على طفل صغير نادرا فتجده هادئا مستسلما لا يصرخ ولا يبكي فلا تتمالك نفسك أيها الطبيب حين تترقرق دموع عينيك تريد تقبيل يديه لتقول له: أكثرَ الله من أمثالك! فعادةً الأطفال ليسوا كذلك! فحينما تقترب من الطفل بحسن نية لتفتح عينيه للكشف كأن صاعقة الزمهرير قد سقطت فوق رأسه! يصرخ بأعلى صوته ويرفس بقدميه ويضرب بيديه ويغلق عينيه بكل قوته وكأن شيطانا رجيما قد اقترب منه!

ففي مخيّلة هذا الطفل المتشيطن أن الأطباء جميعا كائنات شريرة متوحشة لا همّ لها سوى تعذيب الأطفال! ولا يعلم ذلك الطفل أن أطباء العيون لا يعطون حقنا ولا يؤلمون الأطفال مثل بقية الأطباء الأشرار! ولكن كيف تقنعه بذلك؟ أحاول أحيانا مصافحة الطفل وربما أعطيه قطعة من الحلوى علامة على الأمان، ولكن لا جدوى من كل هذا! فقد كُذب على ذلك الطفل كثيرا من قبل ولن تنطلي عليه هذه الألاعيب مرة أخرى، وتكون النتيجة في النهاية ألا تستطيع أيها الطبيب أن تشخص مرض الطفل وحين تخبر الأب بذلك ينظر لك نظرات الاتهام بالتقصير وكأنك أيها الطبيب عليك أن تكون طبيبا ومربية أطفال في نفس الآن! وإلى الله المشتكى.

أخيرا، لا أنكر أن هنالك مرضى مطيعين ومنهم الذين لا يزالون يوقّرون الطبيب ومنهم من يشعر بالطبيب وظروفه ولا يثقلون الحمل عليه ومنهم كذلك أطفال هادئون مطيعون، ولكن هناك كذلك أصناف مرهقة لكاهل الطبيب تشكل جزءا من الآلام التي يعانيها ويلاقيها في بلده ومجتمعه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد