من أشهر قصص الخيانة الزوجية هي قصة الخادمة:

الحكاية تبدأ بأن الزوجة لا تستطيع الاهتمام بقدر كافٍ بالمنزل وطلباته، ولديها اهتمامات متنوعة فيأتي الحل الأسرع والأبسط والأكثر راحة «الخادمة»، فالخادمة عملها الأساسي هو الاهتمام بالمنزل وكل من فيه، فتبدأ مسافات كثيرة في علاقتها مع أفراد البيت تزيد وتقترب ومع الوقت والمسافات المنكمشة والتواصل المتزايد جدًا تحصل الخيانة.

وطبعًا النقاش كله عن أنها إنسانة غير محترمة، والزوج إنسان غير محترم، وأنه كما يقول بعضهم «عينه زايغة»، فيجعلوا منهما ذات طبيعة منحرفة من البداية، ولم تكشف عن شخصيتهما إلا في هذه الحادثة، لكن الحقيقة ليست في شخصياتهم؛ فهناك الكثير وقع في هذا الخطأ وشهدت لهم بالاستقامة!

في الواقع الحقائق تخبرنا بألا يوجد إنسان وُلد مجرمًا أو مخطئًا، والواقع يخبرنا أن كل شيء يتطور بالتدريج، وفي موضوع العلاقات النظرة تأتي بالابتسامة، وتلك بدورها تتطور للمسة يد وهكذا، حتى نتوصل في نهاية المطاف إلى العلاقة الكاملة، وطبعًا ليس بالضرورة كل النظرات تؤدي إلى تلك النهاية، لكن أكاد أجزم أن العلاقات الكاملة كلها بدأت البداية البسيطة جدًا نفسها، وهي مجرد نظرة، سواء أكان علاقة سوية مثل جواز، أو غير سوية مثل الخيانة.

الحقيقة في هذا المثل أن ثلاثة أطراف مسئولة عن هذا الخطأ وعلى مستوى واحد؛ الزوجة التي سمحت بدورها لأحد يدخل بيتها ويكون علاقة قريبة من أفراده، والزوج الذي سمح لفرد يدخل بيته ويكون علاقات قريبة، والخادمة لأنها سمحت بتكوين علاقات قريبة.

المشكلة ليست في تكوين علاقات، المشكلة في تكوين علاقات «قريبة».

العلاقة بين الناس يستحسن أن تكون محددة وواضحة، بها بنود ليس لأحد من الطرفين أن يتخطاها، إن كان زميل عمل فالأمور تسير في إطار العمل، إن زادت عن هذا الحد وتطورت في إطار الزمالة لا يوجد مشكلة، لكن لا تتخطى تلك الحدود وتصبح مثلاً زيارات منزلية أو نزهات أو أكلات ومطاعم، إلا إذا كانت مجموعة كاملة ذاهبة لتفعل شيئًا مشتركًا أو موضوعًا مشتركًا، وإن كان الموضوع مشتركًا فلا بد أن تكون كل الاطراف واعية لوجود حدود فيما بينهم لا يجوز لأي طرف من الموجودين أن يتعداها، إنما تلك النزهات لا تصبح بشكل مستمر، ولا تصلح بشكل ثنائي؛ لأن هذا في حد ذاته تطوير في عمق العلاقة وتطوير لدرجة التواصل بين الطرفين.

ونقيس على هذا المثال كل العلاقات بأشكالها وأنواعها، الفكرة أننا نحاول أن نسيطر ونحد من تعمق العلاقات لأن ذلك له دور في صيانة النفس ووقايتها .

مهما حدث فالبني آدم به جزء حيواني وشهواني من المفترض أنه يتعامل معه بشكل صحيح، فلا يتجاهله ويرى أنه أعلى من التصرفات الشهوانية هذه، حتى يجد نفسه في لحظة ما صار حيوانًا وشهوانيًّا بالفعل، كما هو في مثال الخادمة.

وكما جعل الله لنا في هذه الحياة طرقًا لصيانة الإيمان مثل الصلاة والحج والعمل الصالح، جعل أيضًا طرقًا لوقاية القلب وصيانة النفس، وقاية القلب لها طرق كثيرة مثل القرب من الله وعمل العبادات، وفي نقطة العلاقات الوقاية تصبح في شكل تكوين الحدود.

الحدود هي عبارة عن مسافات نضعها في أي علاقة بين أي طرف لا يجوز للطرف الآخر تخطيها وأي شخص يتخطاها يتم تنبيهه أو إنذاره بشكل واضح؛ لكي لا يكرر ما فعله من تصرف فيه تخطي لتلك الحدود، وهذا يحدث لكي نستطيع التواصل بطريقة صحيحة مع الناس.

ومن هنا جاء المثل الذي يقول إن لم تستح فافعل ما شئت، بمعنى إذا لم تضع حدودًا لنفسك افعل ما يحلو لك، عش كأي حيوان لا يسيطر على نفسه وعلى رغباته وشهواته، فالبداية دائمًا، وهذه حقيقة هي من النفس في وضع حدود للنفس، لكي يستطيع أي شخص أن يصون نفسه ويحافظ على نفسه من نفسه ومن الآخرين .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد