بعيدًا عن فوضى العلاقات، ومن غير النبش في مدى سلامتها أو تشوهها، وقبل أن تبلغ الهواجس ريقها على كفوف الفراق، يتسرب السؤال إلى نفسي، لماذا غالبًا ما تنتهي العلاقات بالوجع؟ لماذا لا تنتهي دون أن تسبب آلامًا لأحد الأطراف؟ لماذا يجب قضم الذكريات الجميلة بعد كل عتاب؟

كلها أسئلة تصارع الأنفاس في صدر كل من طرفي العلاقة، إلى الحد الذي يحمل كل منهما الآخر مسؤولية التقصير، وترخي بشيء من الغل وابل من التناقضات في السلوك والحديث، لينقلب الود إلى غيره، والقرب إلى شتات.

في هذا المقال سأتحدث عن الأصل الأيديولوجي والنفسي للعلاقة وتحليل واقعها دون الخوض في مدى مشروعيتها أو صدقها، كي لا يفهم بعض المشوهين أني من الدعاة لها، لكني أحلل مكنونها بعد وقوعها.

إن أي علاقة يشوبها الخوف، ويتملكها هاجس الرعب ويتوغل فيها ضعف الثقة هي علاقة محكومة بالنهاية المحزنة، ليس لعدم أهلية أحد طرفيها أو قلة حيلته أو فراغ تربيته، بل هي نقص في التقدير، وليس التقدير هنا بمعنى الاحترام، بل التقدير المرتبط بحجم العطاء ودلق الود والحب، فالسعادة بين طرفين هي طريقة وليست طريقًا.

نقص في تقدير شأن أحد الأطراف، والخوف منه دون مبرر، وعدم قياس مدى الموثوقية في التعامل، أو احترام ظروفه أو التحقير من اهتمامه، أو مبالغة في الدلال لاعتقاد فاشل بأن هذه الأمور ستبقي الطرف الآخر على تواصل لا ينقطع.

ولهذا كان الاتفاق سيد الأحكام منذ البداية حول مكنون هذه العلاقة، وطبيعتها وحدودها، وهنا قد ينتفض أحد القراء ليقول: لا ضمان لأحدهم في تنفيذ الاتفاق! فقد تفتر العلاقة وقد تتطور، وقد يخل أحدهم بالاتفاق، صحيح ذلك، لكن نعود للرد عليه إلى نقطة البداية وهي أنه لا يعقد الاتفاق مع كل علاقة، بل مع العلاقات التي تستحق أن تبقى، ويستحق أصحابها الثقة والديمومة.

دعونا نخلع ثوب السذاجة قليلًا ونلبس زي الواقعية، فهل من المعقول أن يقابل الاهتمام بالبرود، هل من المنطق أن يقابل السؤال المستمر بالتهميش المتعمد والغياب المقصود؟ هل من المعقول أن يقابل الهدوء والحنان بالعصبية والجنون؟ لا أعتقد أن هذا يتم في أروقة علاقة يكن فيها كل من طرفيها نفس المشاعر للطرف الآخر، فقد يكن أحدهم جاد فيها، والآخر محتاج لها مؤقتًا. لكن من السهل جدًا أن تدوم علاقات مقيدة باكتشاف الآخر، والقبول بأحواله المتقلبة مزاجيته المتواترة من حين لآخر، والتي من وجهة نظري غالبًا ما تكون مبررة.

أنا أؤمن تمامًا بأن الرجال والنساء ليسوا سواسية، وأن هناك رجالًا ترفع لهم رايات الذوق والشجعان، وأن هناك نساءً ترفع لهن رايات النقاء والأمان، ولكن أيضًا كائنات لا أخلاقية تدعى ذكورًا أو إناثًا لا تكفيها حاوية المأكولات الفاسدة، تمتهن المراوغة والتدليس والتأليف تتلذذ بالخداع ونسج القصص في كل مرة يقع فيها الخلاف.

لكن المؤسف أن البعض يرى في كل الرجال ذكورًا يمارسون الخداع وأن كل النساء إناثًا يمارسن المراوغة، ينسجون العلاقات حسب ما يرونه مناسبًا، وحسب الحالة النفسية التي يمرون بها دون التقدير الذي أشرنا إليه سابقًا.

وما يزيد الطين بلة أن بعض أطراف العلاقة يرى في نفسه قيصرًا إن كان رجلًا وكليوبترا إن كانت امرأة، وكلاهما لا يزيد عن شتات رأى في الطرف مرسًى لقاربه الأهوج.

قد تتكون بعض العلاقات خلسة رغمًا عنا، لاحتياج أو صدفة، لكن إياك أن تستسلم لقاع الذات، وأن تقبل الهوان، فالعلاقة التي لا ترمم ما تبقى من جراحك، وتجعلك تتنفس قليلًا من تحت الركام، ولا تعيد الثقة لحظك الحزين، وتدخلك دائرة التناقض، وتجعل الطرف الآخر يمارس عليك نرجسيته لا تكملها، وابكِ على ما قدمت بروح طفل، واضحك بروح امرأة بتول، وتقدم نحو الحياة بقوة 10 رجال شداد تبحث عن علاقات تستحق الاحتفاظ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد