قبل مئات الأعوام، وتحديدًا عام 1492م، ظهرت ما تسمى بالقوى العظمى اليوم – الولايات المتحدة الأمريكية- وهي اليوم أكبر ثقل اقتصادي وسياسي، وثاني أكبر ثقل عسكري – بعد روسيا- بالطبع هي أكثر الدول تقدمًا في جميع المجالات، لكن بطبيعة الحال، فإن دولة مثل الولايات المتحدة من الطبيعي أن تكون كذلك، دولة ذات مساحة عملاقة، تطل على محيطين، لها في كل منهما رصيف قاري عظيم، ولها موارد ساحقة، وعدد سكاني كبير، وهي في قانون الدول دولة وليدة لا يتجاوز عمرها 600 عام، في حين أن دولة كمصر، التي يتجاوز عمرها 9 آلاف سنة اليوم، فإن إستهلاك موارد دولة مساحتها ليست بكبيرة طوال تلك السنين بالطبع سينهكها، لكن على جانب آخر قد لا ينطبق هذا القانون على كل الدول، فنجد دولة كالسودان التي لا يتجاوز عمرها مئات الأعوام، ولديها موارد ليست بقليلة، ومساحة ليست بصغيرة أيضًا متأخرة جدًّا عن ركب تقدم الدول الوليدة، لكن أيضًا نجد معظم دول الخليج العربي التي لا يتجاوز عمرها مئات الأعوام، قد استطاعت أن تُدخل شعوبها في رخاء ناتج عن الموارد الباطنة في تلك الدول.

أنا لا أذكر ذلك ولا ألفت الانتباه إليه فقط لأن مصر وطني، أو لأنني أود تبرير فترات ضعفها، لكن حقًّا من الظلم أن يُقال على بلد أول من تعلموا الفلك، ودرسوا النجوم والقمر والشمس ومداراتهم، وقُطر الكواكب، وقُطر القمر والشمس، والمسافة بين الشمس والأرض، وأول من تعلموا الكيمياء واخترعوا فنًّا للتحنيط لم يستطع أعظم علماء العصر حله، وأول من أبدعوا في فن العمارة، وصمموا بيوتًا ومعابد، ومقابر وأهرامات، ومبانيَ لا يضاهي جمالها أي فنٍ من فنون عمارة اليوم، وأول من عرف الزراعة والصناعة، والسياسة والاقتصاد، والحرب والسلام، إنه بلد ضعيف، إنه لظلمٌ كبير أن يُقال ذلك، حسنًّا يمكن القول إن وطن العظماء هذا قد ضعُفَ، لكن لا يمكن أبدًا أن يهمش ذلك الوطن، أو يُذكر بالضعف، وهي في وقتٍ من الأوقات كان دولة متكاملة، في حين كانت باقي الدول ترابًا وشعوبًا لا تفقه شيئًا.

معظم الدول التي توازي مصر في العمر، مرت أو تمر الآن بفترة التزعزع نفسها، مثلًا بلاد فارس (إيران)، والعراق، والهند أيضًا، كلها دول ذات حضارة عريقة، وذات عمر كبير؛ فمن الطبيعي رؤيتهم متخبطين قليلًا، لكن ذلك لا ينفي كونهم دولًا عظمى.

لذلك فإننا نعود للنقطة نفسها، عمر الدولة يؤثر بشكل أو بآخر في الدولة، قد نرى العمر الكبير يؤثر بالسلب أو الإيجاب، وقد نرى أيضًا العمر الصغير يؤثر كلا التأثيرين؛ لذلك فإن الحكم على الدول لا يصدر سريعًا؛ لإنه من الطبيعي رؤية دولة ذات عمر صغير متقدمة لوفرة الموارد التي لم تُستهلك بعد، ومن الطبيعي أيضًا رؤية دول ذات أعمار كبيرة تمر بفترات تخبّط لاستهلاك معظم مواردها.

إذن لا يمكننا أبدًا الحكم على قوة الدول من حيث قوتها العسكرية والسياسية فقط، وإنما يجب معرفة أعمار تلك الدول التي بالطبع ثؤثر في سياستها، فالدولة كالرجل يبدأ حياته نشيطًا وقويًّا، ثم هي كالرجل أيضًا يواجه في منتصف عمره مرحلة ضعف شديدة؛ فالكهل لن يكون أبدًا في قوة الشاب، كذلك الدولة القديمة عمرًا لن تكون كالدولة الوليدة الشابة، لكن إن اعتادت تلك الدولة على فترة الضعف تلك، ولم تستجمع قواها؛ فإن مصير معظمها السقوط.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد