عندما يكتشف أحدنا وجود جربوع يسرح ويمرح في ربوع بيته، ويرى بأم عينه آثار غزوه الغاشم، وما تسببه صولاته وجولاته من بهدلة في الطعام، وفوضى خلاقة على الأثاث، سيعلن، ولا شك، حالة التأهب القصوى، ليشعل، من ثم، الضوء الأحمر. وسيهرع، أكيدًا، إلى الاتصال بكل من له صلة بعالم القوارض السفلي طلبًا للنصيحة والاستشارة. فهذا الإرهابي المعتدي الأثيم قد كدر صفو العيش وسلامه في عشه الدافئ وثلاجته الباردة، ولا بد من ردعه وإفشال مخططاته. ولتحقيق هذا الغرض السامي والمحق بآن، يمكن أن يصل الأمر حد استدعاء قوات صديقة من البلدية، قسم مكافحة القوارض العميلة، للمساعدة في حربه العادلة عليه. المهم أن يتخلص من هذا المندس الغليظ.

وبالتأكيد، ستنخفض نسبة الخطر من الأحمر إلى البرتقالي، إذا ما أحس أحد آخر بوجود فأرة صغيرة تعيث فسادًا. فالأمر لن يتطلب أكثر من زيارة لصيدلية بيطرية لجلب لاصق للفئران. وإن كان يريد الحفاظ على الأصالة والتراث في ملاحقة هذه الأجناس، فزيارة إلى العطار تكفي لجلب سمّ أو مصيدة. لكن هذه النسبة تعتمد في صدقيتها على مزاج وأعصاب العنصر النسائي في المنزل طبعًا، وهي قابلة للاحمرار عند أي مواجهة غير متوقعة بين الجانبين. ويبقى الصبر سيد الموقف حينها للخلاص من هذه المتطفلة المزعجة. المهم أن قلقه سيكون أقل لأنه يعرف أن المسألة مسألة وقت، والوقت هنا، ودائمًا، لا قيمة له عندنا.

وعلى الرغم من عملية تفريق الجماعات التي قد يثيرها ظهور شاربيه، فعلاج الصرصور، العدو اللدود للجنس اللطيف، وبعض من المحسوبين على الجنس الخشن، بسيط جدًا. وإنذاره أصفر، لا أكثر. فدية هذا الكائن المزعج «فردة شحاطة أو شبشب أو مداس بلاستيكي»، تجعل رمزي كبريائه أثرًا بعد عين. وفي حال كان الضحية من المجتمع الماتحت مخملي، فيمكن له أن يشتري بودرة مضادة للحشرات الزاحفة. أما إذا كان من أفراد المجتمع المخملي، وروحه الشفافة لا تحتمل رؤية الجسد المسحوق للمقتحم، أو التلوث البصري الذي تخلفه البودرة، فله أن يشتري بخاخًا، ويؤجر من يسد فتحات عش المعتدي وحرمه، لينتهي بذلك أمر الجار المتآمر. لكن تبعات طلته البهية ستدوم طويلًا على المنعكسات السلوكية للسيدات.

إجمالًا، الحالات الثلاثة السابقة هي لكائنات مقلقة للمجتمع المنزلي بكل أطيافه. لكن ماذا عن حشرة تتعمد شخصنة الاستهداف وتتقصد الإزعاج كالذباب؟ الحقيقة أن الموقف هنا يكون أكثر من مجرد الإزعاج، فهو قد يودي بالمبتلى إلى حالة عصابية، لا سيما عندما يكون نائمًا بعد يوم منهك. وفجأة، يأتي الإقلاق على جناحين، مع طنين يفترس ضبط النفس، وبالمحصلة يطيّر النوم. وأمام هذا الاعتداء السافر على الخصوصية، ستستخدم كل الأسلحة المتاحة لك ولا شك. فترى يديك، بداية، شغالة مثل طواحين الهواء. لكن، أمام تعنت الذبابة في الاستفزاز، ستجدك مجبرًا على مغادرة فراشك كي تلتقط «اللطاشة» وتبدأ عملية الكر والفر معها حتى تحظى بها، و«تفش غلك» فيها. كما يمكن استخدام البشكير (الفوطة) أو البخاخ للقضاء على هذا الكائن المزعج. لكن النتيجة تقول أنك ستكون زهدت بالنوم والاسترخاء، ومزاجك تعكر وانتهى الأمر. إنما درجة الخطورة هنا خضراء، فموضوع الأعصاب في منطقتنا لا اعتبار له.

وأخيرًا، وليس آخرًا، تطل علينا أصغر الكائنات في القائمة المختارة، وأكثرها هدرًا لدمك. إنها البعوضة، أو الناموسة، مصاص الدماء القمئ، ذو السر الباتع. وعلى الرغم من درجة الخطورة الزرقاء، إلا أن مناورات هذا الكائن تجعل كل حواسك ومنظوماتك الدفاعية، من عصبية وبصرية وعضلية وحتى فكرية تستنفر لصد هجوماتها، أو رصد مناوراتها. وعندما ينتفي الصوت، ويهمد الأزيز، عليك أن تفتش، على طول وعرض جغرافية جسدك، بحثًا عن موقعها الذي تعبّ فيه من دمك. وكضربة استباقية لغارات هذا المخلوق الصيفية، عليك البدء بمشروع القبة الشبكية على النوافذ والأبواب. وفي حال استطاعت اختراق خط الدفاع الحديدي ذاك، عليك أن تكون مجهزًا بالبخاخ المضاد لها ولأقرانها. لا تستخفنّ بضآلة حجمها، فهي الوحيدة في القائمة التي تجعلك تصفع نفسك بكفيك، وبكيفك، وكأنك تخضع لدردشة عفوية وإنسانية، أو تتبادل حوارًا ديمقراطيًا، مع أخ محقق ما في أحد الفروع الأمنية المنتشرة كالبثور على مساحة الوطن العربي الحر. ورحم الله أهل الأمثال حين قالوا : لا تأخذ اللبطة القوية إلا من الجحش الضعيف.

وقد حفلت السنوات الأخيرة بظهور جرابيع وفئران وصراصير وذباب وبعوض من كل طيف، في ساحات وطننا، بعد أن هلَّ علينا الربيع. وتعرضنا للّبط والرفس والصفع من الجحاش الضعيفة خلال هذه الفترة الفارقة من تاريخ أمتنا، بعد أن احتلوا المنابر والساحات، وموائد اللقاءات وطاولات الاجتماعات، تقدموا الصفوف يوزون ثوريات ويطنون قوميات، حتى جعلونا نصدق طنطناتهم ونتلهى عن حقيقتهم. وحين انتهت الولائم، وانفضت الجموع، كانوا أول من عاد إلى حضن حقيقته، بعدما عاثوا فسادًا، وأسسوا لفوضى الفشل، ومصوا دمانا وشبعوا منها وأتخموا. حينها، وحينها فقط، فطنا إلى واقع الحال، ورحنا نلطم أنفسنا على الغفلة التي كنا عليها، بعد فوات الأوان.

وعلى الرغم من ذلك، لم نتعلم من أخطائنا، ولم يتعظ الآخِرون بحمق الأولين. فلا زالت ساحاتنا مسرحًا للهوام. وكما غفل أولئك، غفلنا نحن عن حقيقة أن هؤلاء بوساختهم، وثقافة القذارة التي يخلفونها، هم من جلب الصراصير والذباب والبعوض إلى أحلامنا. بل جعلونا نهدر كرامتنا بأيدينا، وحرمونا من هنيِّ العيش في أوطاننا، ودفعونا لنحيا كالأيتام على مآدب اللئام، نلاحق قارضًا بلا جدوى، وننشّ حشرة بلا أمل، بعد أن شغل الجميع أجهزة التلون عنده فضيّعنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد