سأسمح لنفسي بالقفز مباشرةً داخل الموضوع دون مقدمات أو شروحٍ كثيرة، لأن محاولاتي في التطويل لن تترك لي ولكم إلا التشتت، لذلك دعوني أخبركم بأن الحديث سيكون عن منظورنا المحدود لفكرة النجاح، منظورنا الضيق جدًّا الذي يظلم الكثيرين حقيقةً، لكن لا بأس يمكننا مناقشة ذلك بسلاسة كما أعتقد.

لنضع النقاط على الحروف، سنتفق أن معايير النجاح ليست واحدة أبدًا، تختلف تلك المعايير من مجتمع لآخر ومن بلد لبلد ومن أسرة لأسرة، والأدهى أنها تختلف من شخص لشخص داخل الأسرة ذاتها. تقودنا هذه الفكرة لسؤالٍ مهم جدًّا، كيف تمكن بعضنا رغم بلوغنا العام 2020 أن يتخيلوا النجاح بشكلٍ معين، أو بكلماتٍ أخرى، كيف تمكنوا من وضع النجاح في قالب ما ورفضوا تصوره خارج ذلك القالب؟ بل إن آخرين قد وصل بهم الأمر لفرض قوالب النجاح التي يرونها على غيرهم دون النظر أو التفكير في أنها لا تناسب الجميع كما تناسبهم، ولا ضير في أنها تناسبهم بالطبع، لكن لماذا ستناسب غيرهم؟

يا أخي ليس ما يُناسبك بالضرورة سيُناسبني، فلماذا تفرض علىَّ أن أفعل مثلك؟ ماذا لو كان النجاح مُطلقًا فعلًا وله قالب معين؟ أظن أننا سنكون عبارة عن بعض القوالب المستنسخة من الشيء ذاته، قالب للطبيب الناجح، وقالب للمهندس الناجح، وآخر للمدير الناجح… إلخ. لكن مجرد التصوُّر حتى يُنافي كل منطق وعقل، لا تقنعني بأن ما يسري عليك سيسري على الجميع بنفس الشكل.

أهم ما يجعل الأمر منافيًا للمنطق والعقل هو أننا لا نمر بالظروف نفسها، العقبات التي نواجهها لا تتشابه أبدًا، النتائج لا تتشابه كذلك، ردود أفعالنا تجاه ما نواجه لا تتشابه كذلك، نحن مختلفون بالفطرة ولا نبدو كغيرنا. في الأساس كل إنسان هو عصارة تجاربه وحده وفريدٌ بنفسه، مهما تعامل ورأى تجارب من حوله، سيتصرف على طريقته حسب استنتاجاته الخاصة وأفكاره الخاصة. دائمًا ستنتج الظروف ردًّا مختلفًا وشخصًا آخر، ليس بالضرورة ناجحًا في نظرك لكنه في نظر الحياة سيكون ناجحًا بطريقته هو لا بطريقتك.

يعني في الحقيقة صديقتك التي قررت الزواج مبكرًا رغم أنها لم تتخرج من الجامعة بعد، ليست فاشلة وقرار إنجابها لطفل في خضم معارك الدراسة لا يجعلها فاشلة كذلك. الواقع يُقر بأنها ناجحة، لأنها برغم صعوبة الدراسة استطاعت التخرج بتقدير مرتفع أو حتى منخفض. إذا قررت صديقتك تلك أن تتزوج وتترك الدراسة، لا يجعلها ذلك أقل ذكاءً، أو يضعها تحت بند الفاشلين. الفطرة تقول إن النساء مسؤولات عن استمرار وجود البشر، لو تفرغن لذلك فقط، لن يكن فاشلات، بل سيحافظن على بقائنا.

بينما صديقك «الرجل» الذي لم يستطع تجاوز ألم نفسي ما في حياته، ليس فاشلًا وإن بدا ضعيفًا بالنسبة لرجل، لا بأس بذلك لأنه إنسان من حقه أن يتعافى حينما يتألم. إظهار الرجال لآلآمهم لا يجعل منهم أشخاصًا فاشلين أو غير عمليين، ثم من قال إن الرجال لا يشعرون، وأنهم بالطبيعة عمليون لا يُفكرون أو يتعايشون إلا كالآلات؟ لا أظن أن أحدًا قد قال ذلك، وأعتقد أن في حالة وجود من يقول ذلك، عليه أن يذهب إلى الجحيم فقط.

أما الأمر الذي نحتاج جميعًا للنظر فيه بشكلٍ أوقع وأكثر عقلانية، وبالتالي تقبله، هو ذلك السر بأن النجاح ليس قالبًا نتوارثه أو نتعلمه، وأنه ليس إلا شيئًا نسبيًّا يعرفه الشخص وحده عندما يعيشه ويمر به. لماذا أحتاج لرؤية الأمر من تلك الزاوية؟ لأنك في الأساس أكثر من يعرف نفسك، على عكس الآخرين، ولأن المجتمع غالبًا سيحكم عليك في كل مرة تحاول الاختلاف فيها أو إظهار نجاحك الذي لا يُناسبهم.

في النهاية، ليس فرضًا على أحد أن يكترث لرأي المجتمع، لاسيما إن كان ذلك
الاكتراث أكثر مما ينبغي، وعلى المجتمع كذلك ألا يحشر أنفه في حيوات الناس حتى وإن شاركوها عبر الفيس بوك أو تويتر، لا يحق لأحد أن يحكم على النجاحات الصغيرة
للآخرين، لأنك دائمًا عليك تذكر أن لا أحد يعرف ما مررت به، ولا أحد غيرك قد مر به كما مررت به أنت، وإن بدا الأمر مشابهًا، لكنه حتمًا لا يتطابق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

النجاح
عرض التعليقات
تحميل المزيد