أراهن أن البعض منكم قد شاهد ذلك الفيلم.

ولهولاء الذين لم يشاهدوه أنصحكم أن تشاهدوه.

ربما بعضكم سيظنه فيلمًا مملًا أو تلك النوعية من الأفلام قليلة التكلفة.

ولكني هنا اليوم لأحدثكم عن فلسفتي الخاصة بذلك الفيلم.

وتلك الفلسفة تتلخص في كلمة وحيدة: النسبية.

لا تستهن بالنسبية، فبإمكانها دفعك للجنون، فبإمكانها أن تشعرك بالغرابة وبالملل، يمكنها دفعك للهلاك.

تظنني أبالغ، دعني أحكي لك.

قصة الفيلم تدور حول ضابط شرطة في لندن، كان ناجحًا للغاية مما دفع رؤساؤه لنقله بعيدًا إلى الريف بدافع الغيرة والخوف من التفوق عليهم.

وهنا تبدأ النسبية اللعينة لعبتها الصغيرة.

دوما تبدأ مع الناس الغرباء، حين تتعرف على ناس جدد تكون فرصة النسبية في ازدياد، وخاصة إذا كان هناك اختلاف واضح وصريح في ثقافات أولئك الناس الجدد.

وهذا ما حدث، ذهب ضابط الشرطة إلى الريف ليجد أن الناس جميعهم يختلفون عنه في الاهتمامات والشخصية.

النسبية بدأت تتضح حين كان يهتم بأمور بالغة في الأهمية والناس هناك لا يهتمون البتة.

يهتم بعمله ويطبق القانون، وهم يسخرون منه لأنه يقوم بذلك.

يري أن الناس يخالفون القانون ويجب أن يعاقبوا.

من وجهة نظره تلك ثوابت، من أجرم يجب أن يعاقب.

هو يرى أن ذلك هو التصرف الصحيح، وأن رأيه هو الرأي المُطْلَقَ الذي يجب أن يُنفذ.

لكن أهل القرية يرون أنه يبالغ، أنه يعطي الأمور أكبر من حجمها، أن ردة فعله ليست مناسبة، ردة فعله مبالغ فيها.

وهم أيضًا يرون أن رأيهم هو الصحيح.

من فيهم يملك الرأي الصحيح؟

لقد قلت لك، أن الموضوع كله عن النسبية، لا أحد منهم صحيح، ليست هناك حقيقة مُطْلَقَةٌ،

ليس هناك رأي واحد في تلك الدنيا بدون آراء مختلفة، بدون نسبية!

تأييدك لفريق معين لا يعني أنه الأفضل، تأييدك لاتجاه سياسي معين لا يعني أنه الأصلح.

انت تؤيد وتقرر أفضلية القرارات بالنسبة لك فقط، وليس على باقي البشر أن يقتنعوا برأيك وفكرك.

وتذكر دومًا، لولا اختلاف الأذواق لبارت السلع.

قلتها مسبقًا، كل آرائك ووجهات نظرك ستجد من يؤيدها ومن يعارضها، نظرتك للأشخاص ستختلف فستجد نفسك تحب أشخاصًا وهناك أناس يكرهونهم وتكره أشخاصًا وهناك من يحبونهم.

الأمر لا يقتصر علي ذلك، كل الثوابت العلمية والرياضية والحياتية المثُبتة من قبل علماء والتي نستخدمها في حياتنا اليومية. ستجد من ينكر تلك الثوابت.

تظنني أبالغ، سأبرهن لك خطأك.

إيمانك واعتقاداتك الدينية أيا كانت ستجد من لا يؤمن بها، ستجد من لا يعتنقها ستجد حتى من لا يؤمن بالأديان أو إله من الأساس.

الأمر مقترن بالنسبية كما قلت.

لقد ذكرت بأن النسبية يمكن أن تدفعك للجنون والهلاك.

وها هو برهاني.

حاول أن تعيش وسط مجتمع لا يقدر اهتماماتك، لا يقدر آراءك، لا يقدرك أنت شخصيًّا، يعتبرونك صغيرًا ويافعًا حتى تجهر بأفكارك، يعتبرونك قليل الخبرة لتخبرهم بما في عقلك.

كل هذا بسبب النسبية.

كل هذا لأنك تختلف معهم، لأنك ترى الأمور من منحى مختلف عنهم، ربما إذا ظللت باقيًا وسط هذا المجتمع، لربما حينها لن تستطيع المواصلة. وقتها ستمقت آراءهم، ستصبح متشددًا لآرائك لأن لا أحد قد سمعها، ستقتنع أنك أنت الصحيح وهم الأغبياء فقط لأنهم لم يسمعوا.

وهذا هو الجانب السيء في النسبية.

التشدد.

ربما تكون شخصًا سويًا حيث تتقبل جميع الآراء ما دامت في سياق الأدب المجتمعي، وربما تكون شخصًا مقتنعًا فقط بفكرتك وترى أنها هي الصحيحة.

ولكن المتشدد هو من يرى أن لا أحد له الحق في الإدلاء بصوته أو ما يجول بخاطره، لقد أخذت النسبية منحى غريبًا وذلك المنحى أنتج التشدد.

إن المتشدد هو شخص قد آمن وصدق بأفكاره لدرجة أنه آمن أن فكرته هي الحقيقة لدرجة أنه آمن أن لا أحد كلامه صحيح، لا أحد يستحق فرصة أن يتكلم.

هو فقط من يستطيع أن يتحدث ويملي على الناس ما يفعلوه.

ولأن الموضوع أخطر مما تتصور إليك نصيحتي علها تفيدك، تقبل الاختلاف، تقبل النقد، تقبل التشكك في إيمانك ومعتقداتك، تقبل النقاش، تقبل الغرابة، تقبل الرأي الآخر، تقبل الجدال، تقبل الجديد، تقبل التغيير، تقبل الفكر، تقبل النسبية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد