مقدمة

تشهد العلاقات التركية- الأمريكية توترًا حادًا وبرودة غير مسبوقة، حيث تتهم تركيا الولايات المتحدة الأمريكية بدعم وتسليح الأكراد، بجانب احتواء الولايات المتحدة للشيخ فتح الله كولن الذي تتهمه تركيا بالوقوف خلف محاولة الانقلاب الفاشلة التي جرت أحداثها منتصف يوليو 2016، فضلا عن النزاع في سوريا، فتركيا دومًا تتهم الو.ا.أ بتسليح عناصر كردية تصنفها أنقرة بأنها «إرهابية»، وعلى الجانب الآخر، تتهم الولايات المتحدة تركيا باعتقال القس الأمريكي أندرو برانسون دون وجه حق، الأمر الذي أدى إلى توتر كبير في العلاقات بين البلدين.

غير أن هناك اتجاهًا صاعدًا ينبئ بتحسن قد يحدث في العلاقات بين أنقرة وواشنطن الأيام القادمة، وقد يكون السبب الرئيس لهذا الاتجاه هو الإفراج عن القس الأمريكي المحتجز في تركيا منذ عامين، على إثر اتهام تركيا له بالتجسس لصالح جماعة فتح الله كولن وحزب العمال الكردستاني والتدبير للانقلاب في يوليو (تموز) 2016، ومن المؤشرات التي تبرهن على هذا الاتجاه، تقارب الموقف التركي والأمريكي من قضية اختفاء الكاتب الصحفي السعودي جمال خاشفني يوم الثلاثاء 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2018.

وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها: أن قيام تركيا باعتقال القس الأمريكي سبب في اشعال فتيل أزمة بين البلدين، وأن الإفراج عنه قد يكون سببًا أو أحد الأسباب في تحسن العلاقات بينهما. وعلى هذا الأساس، تعمل هذه الورقة على تقدير الموقف من خلال البحث عن حقيقة الإفراج عن القس من كونه حكمًا قضائيًّا مجردًا أم صفقة سياسية عُقدت بين الطرفين وتم الترتيب لها مُسبقًا.

 خلاصة تطور المشهد

يمكن إرجاع التوتر في العلاقات التركية- الأمريكية إلى التغيرات الجذرية التي طرأت على السياسات الداخلية والخارجية لتركيا مع وصول رجب طيب أردوغان للرئاسة، والتي تسببت في انزعاج الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة. [1]، غير أن المشهد ازاد توترًا وتفاقمًا مع اعتقال السلطات التركية للقس الأمريكي أواخر عام 2016 واتهامه بالتدبير والمشاركة مع جماعة فتح الله كولن في عملية الانقلاب التي تمت منتصف يوليو 2016.

واتجهت العلاقات بين البلدين لمنحى أسوأ بدايةً من أغسطس (آب)، عندما أمرت المحكمة التركية بإبقاء اعتقال القس الأمريكي، حيث قامت الولايات المتحدة بفرض عقوبات على وزيري الداخلية والعدل التركيين، بعد اتهامهما بلعب دور رئيسي في اعتقال واحتجاز القس، وبعد ثلاثة أيام رد أردوغان بأن أنقرة ستجمد أصول وزيري «العدل والداخلية» الأمريكيين في تركيا. وفي 10 أغسطس أعلن ترامب مضاعفة الرسوم على واردات بلاده من الفولاذ والألمنيوم التركيين لتصل إلى 50% للفولاذ و20% للألمنيوم، وكتب على تويتر «علاقاتنا مع تركيا ليست جيدة في هذا الوقت»، بنفس اليوم هبط سعر صرف الليرة التركية وخسرت 16% من قيمتها مقابل الدولار، اعتبر أردوغان ما حدث «حربًا اقتصادية»، ودعا الأتراك لتبديل العملات الأجنبية بالليرة التركية، وفي رد فعل، أعلن أردوغان 14 أغسطس 2018 مقاطعة المعدات الإلكترونية الأمريكية، وصعّدت في اليوم التالي بزيادة كبيرة على التعريفات الجمركية على العديد من البضائع القادمة من الولايات المتحدة مثل السيارات والتبغ، البيت الأبيض اعتبر هذه الخطوة أنها «خاطئة ومؤسفة»، بينما رفضت محكمة تركية في اليوم نفسه طلبًا جديدًا للإفراج عن القس.[2]

ويبدو أن اليوم، الجمعة 12 أكتوبر 2018، قد مثل خطوة مهمة في انفراجة العلاقات بين البلدين، حيث تم الافراج عن القس الأمريكي بعد عامين من احتجازه، إذ حكمت محكمة أزمير اليوم بسجن القس الأمريكي برانسون ثلاثة أعوام وشهرًا و15 يومًا مع وقف التنفيذ، ورفع «الإقامة الجبرية وحظر السفر» عنه. [3]

رغبة مشتركة في التقارب

بدا من قراءة الأحداث أن هناك رغبة مشتركة في التقارب -لربما الحذر- بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، الأمر الذي أثار التساؤل حول حقيقة الإفراج عن القس الأمريكي من كونه إفراجًا بحكم قضائي مجرد عن العلاقات وشكلها بين البلدين، أم أنه صفقة سياسية جديدة وتم إصدار الحكم تحت تأثير من السلطات التركية ليكون حكمًا قضائيًا من حيث الشكل ومخرجًا سياسيًا من حيث المضمون.

هناك بعض التقارير التي تشير إلى أن اللقاء الذي جمع بين أردوغان وترامب على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك في شهر سبتمبر (أيلول) 2018 [4] قد حمل في مضمونه بوادر صفقة سياسية بين الطرفين قد تفضي إلى الإفراج عن القس الأمريكي[5]، في حين قالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية هيذر ناورت إنها لا تعلم بأي صفقة بشأن الإفراج عن القس برونسون.[6]

هذه الفرضية تبقى رهن اكتمال أركان الصفقة والتي تباينت التكهنات حول حقيقتها، فهناك مجموعة من الآراء حول المقابل الذي ستحصل عليه تركيا:

الرأي الأول: أن الإفراج عن القس جاء استكمالًا للصفقة التي بدأت بالإفراج عن المواطنة التركية -التي كانت محتجزة في إسرائيل- أوزكان في شهر يوليو 2018، وذلك بناءً على طلب من الرئيس الأمريكي[7]، قبل أن يقوم الرئيس التركي بنفي ذلك قائلاً: «لقد أعلمنا أمريكا أنها تستطيع مساعدتنا في إخراج إبرو، ولكننا لم نقل (في المقابل سنعطيكم برونسون)»[8]

الرأي الثاني: الذي تناقلته صحف مواقع مختلفة نقلًا عن صحيفة الواشنطن بوست، إذ يقول هذا الرأي أن الإفراج عن القس سيكون في مقابل رفع العقوبات الأمريكية عن تركيا التي أشرنا إليها سابقًا [9]

الرأي الثالث: أن الإفراج عن القس سيكون مقابل إلغاء الولايات المتحدة التحقيق في قضية بنك خلق الحكومي التركي، الذي تتهمه الولايات المتحددة بالتورط فى واحدة من أكبر الأنشطة المشبوهة لتمويل المصالح الإيرانية، إذ تم اكتشاف كون البنك بوابة خلفية لإيران تستخدمها للتهرب من العقوبات الامريكية. إلا أن التصريحات تشير إلى رفض هذا المقترح من قبل الرئيس الأمريكي. [10]

العلاقة بين اختفاء خاشقجي والإفراج عن القس

لم يكشف الستار بعد عن حقيقة اختفاء الكاتب السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في تركيا، وربما هذا الحدث ينذر بعواقب وخيمة في العلاقات بين تركيا والسعودية والأخيرة والولايات المتحدة، ولا يخفى على أحد أن العلاقة بين السعودية وتركيا ليست على ما يرام.

لذا فمن المرجح أن تكون هناك روابط بين الحدثين، إذ إن الكاتب السعودي يعمل في صحيفة أمريكية «واشنطن بوست» وهذا يدفع الولايات المتحدة -بالتأكيد- إلى البحث والتنقيب حول القضية، وعلى الجانب الآخر فتركيا تسعى -بكل ما أوتيت من قوة- إلى كشف تورط السلطات السعودية في اختفاء -أو مقتل- خاشقجي-. ويبدو أن تركيا حاولت ضم الولايات المتحدة إلى صفها بهذه القضية، خاصة في ظل رغبة كثيرين بالإدارة الأمريكية في معاقبة الرياض في حالة ثبوت تورطُّها بهذه القضية.

وبالتأكيد، قد يؤثر إطلاق سراح القس الأمريكي على مستقبل قضية الإعلامي السعودي، ففي حال نجحت أنقرة في ضم واشنطن إلى صفها، فإن ذلك قد يمثل ضربة قوية لطموحات ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، الذي يعتبره البعض «المتهم» الأول في قضية جمال خاشقجي.

وشهدت الأيام القليلة التي عقبت الإفراج عن القس مؤشرات تدل على صحة هذا السيناريو، فالرئيس الأمريكي الذي كان يُبادل الرئيس التركي الاتهامات، في لقائه بالقس بعد وصوله للولايات المتحدة، قام ترامب بشكر الرئيس التركي، وقال أنه سوف يطلع على تسجيلات بشأن ما جرى لخاشقجي، وتوالت التصريحات عن مسؤولين أمريكيين حول توجيه عقوبات للسعودية في حال ثبوت تورطها في اختطاف أو قتل خاشقجي.

وجملة القول في شأن ما تقدم، أن الحكم بالإفراج عن القس الأمريكي كونه صفقة سياسية، يرتبط -بدرجة كبيرة- برهان حصول تركيا على مقابل ملموس ومباشر من الولايات المتحدة، سواء في رفع العقوبات أو إغلاق التحقيق في قضية «بنك خلق»، أما غير ذلك -فنحن نرى- أن الإفراج مثل قرارًا قضائيًا -قد- يستند أم يتوافق مع رغبة القيادة السياسية التركية في تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة ولم يصل الأمر إلى صفقة سياسية.

خاتمة: رؤية مستقبلية

لا شك أن الإفراج عن القس الأمريكي سوف يكون خطوة إلى الأمام في مستقبل العلاقات بين البلدين، إلا أن ذلك لا ينفي وجود عدد من الملفات الشائكة التي لم تُوضع لها رؤية واضحة من أجل إيجاد حل، ومن بينها: صفقة التسلح الخاصة بطائرات الشبح الأمريكي «إف-35»، التي ترغب تركيا في الحصول عليها، في حين يرفض الكونجرس حتى الآن، بجانب صفقة الأنظمة الدفاعية الجوية الروسية «إس-400»، التي بدأت تركيا بالفعل تزعج بها الولايات المتحدة، وترغب الأخيرة في أن وقفها، بالوقت الذي تصر فيه أنقرة على موقفها ورغبتها في اقتناء هذه التقنية الحديثة، فضلًا عن النزاع في سوريا، فتركيا دومًا تتهم الولايات المتحدة بتسليح عناصر كردية تصنفها أنقرة بأنها «إرهابية»، في حين ترى أمريكا أن هذه الفصائل تقاتل «داعش».


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!