حدثان لافتان مهمان طبعا القضية الفلسطينية خلال الأيام المنصرمة.

حيث استطاع يوم الاثنين الموافق للثامن عشر من أبريل 2016، الشاب عبد المجيد سرور (19 عامًا) من مدينة بيت لحم، إحياء روح العمليات الاستشهادية التقليدية بتفجير عبوة ناسفة داخل حافلة تقل مستوطنين صهاينة بالقدس المحتلة، واخترق بذلك منظومة أمنية تشاركية ــ التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية والعدو الصهيوني ــ صمدت منذ عام 2004، وهو أنموذج عليّ في كرم العطاء للفكرة.

وبالمقابل، استطاعت  الذراع الطلابية لحركة فتح ــ حركة الشبيبة الفتحاوية ــ اجتياز اختبار انتخابات اتحاد  طلبة جامعة البولتكنيك المُجراة في أجواء غلب عليها الطابع الفدائي منذ سبعة أشهر، بنجاح، بـحصولها على 18 مقعدًا، مقابل 12 مقعدًا للكتلة الإسلامية، الامتداد الطلابي لحركة حماس، اليوم الأربعاء 20 من أبريل 2016.

وإذا كان الحدث الأول استأثر بالاهتمامين السياسي والإعلامي على كافة المستويات كونه تحولًا فارقًا، إذ سيرفع من شأن الفعل الثوري بالانتقال من فعل السكين والدهس إلى فعل التفجير الأكثر إثخانًا في العدو لتصور، وسيشكل تهديدًا حقيقيًا لحالة الاستقرار التي يراهن عليها التصور الآخر، فإن الحدث الثاني وإن لم يلق اهتمامًا كبيرًا، إلا أن له دلالات مهمة لقراءة صحيحة هادئة للمشهد الفلسطيني، إذ من الواضح أنه جرى عكس سياق الأحداث وتطوراتها.

صحيح أن الفعل المقاوم منذ انطلاقته قبل سبعة أشهر اجتذب إلى دائرته شريحة ما، ممن يرتبطون أيديولوجيًّا وسياسيًّا بالمشروع الناعم، إلا أن هذا الانخراط  لا يبدو أن كان له التأثير البالغ على ربقة العبودية للتفكير الفئوي العصبي، وهو ما يشير له الحدث الثاني، وهي إحدى أزمات حركة التحرر الفلسطينية.

ظهرت تلك الأزمة جلية منذ اتفاقية أوسلو 1993، عندما اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بـ78% حقًّا للصهاينة بثمن فئوي بخس، قدره الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ــ بقيادة حركة فتح ــ ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني؛ إذ إن جميع بنود الاتفاقية لم تكن ذا قيمة تحررية مضمومة في ميزان حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة؛ والتطورات والمآلات من بعد أثبتت ذلك، ليجد هذا الوثن بيئة مثلى لاستعباد شرائح أوسع بوقوع الانقسام الفلسطيني عام 2006 بين حركتي فتح وحماس، وهي الآن أكثر جلاءً وتجليًا  بعد أن بات إمكان الإنجاز بالمناورات السياسية غير مقنع لدى المجموع الفلسطيني، فلم يعد من مبرر للاصطفاف حوله ــ مشروع التسوية ــ غير فئوية متمكنة أو ثقافة استهلاك هي الأخرى مُخرجة من مخرجات الدور الوظيفي لسلطة أوسلو.

تُعبِّر ثقافة الاستهلاك المَرْعية في جغرافية الضفة الغربية تحديدًا، عن تفكير استهلاكي سلبي أُوصلت له شريحة ليست بالقليلة من المجتمع الفلسطيني، وهي شُح مطاع في العطاء، تشكل وانتشر بالاستخدام المستمر لأدوات إرهاق متنوعة؛ تنقل الإنسان الفلسطيني من حالة التضييق والتعسير إلى حالة مقابلة من التوسيع والتيسير (مراوحة بين تشديد وتنفيس)، حتى إذا بلغ منه الجهد مبلغًا؛ تشتت ذهنه وانتوى أن يهتم بالمحيطات الحياتية المتاحة، وغفل وتغافل عن البذل والسخاء، وهذا ما يفسر في اعتقادي انحصار الهبة الجماهرية الأخيرة في مناطق بعينها من الضفة الغربية كالقدس والخليل مثلًا.

إن هذا التفكير الاستهلاكي هو أسوأ أثرٍ وأخطره على المشروع الفلسطيني من تلك الخدمات الأمنية التي تقدمها السلطة الفلسطينية للكيان الصهيوني، كونه يُكيّف الإنسان الفلسطيني باعتباره محورًا لهذا المشروع ويُطبِّعه مع الظاهرة الاستدمارية؛ فتتوفر بذلك على عامليْ الحياة؛ الشرعية القانونية والمشروعية الواقعية.

لكن ومع ما سلف، ومع ما لم يُسلف بالتناول، فإن الإنسان الفلسطيني ما زال مصدرًا ملهمًا للتفكير العطائي وثقافة السخاء، فقد أثبت حقيقة أنه جلْد أمام النائبات، عصي على المُحاصِرات، مُتكيف مع المتغيرات، وقد استطاع أن يضطلع بمسؤوليته بوصفه خطَّ دفاعٍ أولًا عن مقدسات المسلمين، والأمثلة في هذا كثيرة وغير محصورة، لكن هذا التفكير هو الآخر قد يكون بحد ذاته خطرًا على المشروع إذا استحال تفكيرًا رغبويًا لا يتحرك وفق متطلبات مشروع التحرر ومقتضياته، كأن يرى البعض العمل المقاومي العسكري استحقاقًا مطلوبًا لا يتقيد بالظروف الموضوعية للزمان والمكان.

إن التفكير المؤهل للتعامل الصحيح مع الظاهرة الاستدمارية، هو التفكير الذي لا يراها تحيا بعوامل ذاتية، بل يفهمها تستمد مقومات حياتها من بيئتها الجديدة، فتستلب دعائم وجودها منها، وتحاول هدم كل قيمة لا تتواءم مع مشروعها، وتسعى للتكيف مع كل متغير قد يشكل تهديدًا لها، وهي غير خاملة أبدًا، شرهة شرسة، كلما تلمست السكون والهدوء انبعثت فيها أعمارًا، وكلما قابلها البذل تراجعت، لذلك كان ذوو العطاء والتضحية هم الأقدر على مواجهتها واجتثاثها.

في  حال القضية الفلسطينية استطاعت الصهيونية إقامة أعمدة أمن كيانها من تأمين دول الطوق ابتداء، ومن تأمين أجهزة السلطة الفلسطينية لاحقًا، وما كان ليستمر ذلك لو ساد لدى المجموع الفلسطيني تفكير أريَحيّ متجرد للمشروع، متخلص من النزعات الفئوية العصبية، متحرر من الكسل والاستهلاك والرغبوية المعتزة، إذا حدث وتحقق ذلك؛ استعدت الصهيونية للرحيل حتمًا.

أعتقد أن المقدمة المنطقية؛ المُستغنية عن الاستجابة لصدمة استدمارية  قادرة على تحرير التفكير وإنضاج وعي كافٍ؛ المقدمة المؤدية لتفكير جمعي واعٍ، هي تلك النظرة المستبصرة الذكية للحالة الاستدمارية موضوع الدراسة والعمل، إنها نظرة تنقلها للوعي كما هي، فتحرمها من كل عوامل التكيف والتصالح مع المكونات المحيطة، وأزعم مما أزعمه؛ أن السلطة الفلسطينية بالشكل والوظيفة الحاليين هي أحد مظاهر تكيف الظاهرة الاستدمارية مع الواقع المحيط؛ لذا كان إنهاء هذه الحالة سيأخذ بيد الفلسطيني الساعي للتحرر إلى الوضع الأنسب، إذ ستكون القراءة متحررة وأقرب إلى الدقة، وبالتالي سداد المقاربة، في حين أن وجودها رسّمه جزءًا من وضع مناسب لها أولًا، ثم له باعتباره مستهلكًا تاليًا.

لا يمكن لتلاقح أصناف التفكير المشوهة تلك، سوى كائن الوهم المُشوه، فموهوم الاستغناء عن السلطة حاضر في أذهان الكثيرين، والحجيّة المتوهمة انعدام بدائل الخدمات، وكأن هذا أفضل الممكنات من حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، ولو جرت الأحداث بإنهاء حالة السلطة تلك، لانتهينا إلى إنجازات حقيقية حتمًا، لأن الاحتلال حينها سيُرى احتلالًا، والأهداف والحقوق ستكون أوضح.

عندما تتواشج خلائط التفكير تلك، تكون منظمة التحرير الفلسطينية إنجازًا وطنيًا يعتز به، يمنع ويُحذر الاقتراب من حماه، فاتفاقية أوسلو التاريخية وكل الاتفاقيات التي تلتها، أوسمة على بذلة الفدائي الفلسطيني، فلا بأس أن يتأنى مشروع المقدسات حفاظًا على الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.

إننا عندما نختص بالكلام الإنسان الفلسطيني، ليس خضوعًا لقوانين التحرر العامة، في أن مشاريع التحرر ذاتية بعوامل خارجية مساعِدة فقط، فالقضية الفلسطينية أكبر من كونها قضية تحرر وطني، ولا فلَسْطَنَة لها، ولا إعفاء للأمة من دورها، وإنما لما أبانه عن قدرات وإنجازات جعلته مُعولًا عليه وسط ظروف محيطة غير مناسبة تمامًا، ولأن للآخَر الكلام ذاته إذا أراد التحرر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد