ظهرت في الآونة الأخيرة حملات تشكيك وطعن لكل ما هو مقدس لم يسلم منها لا قرآن ولا سنة وحتى الشخصيات والرموز الإسلامية نالت حظًا من التشكيك، هذا الطعن شمل الشكل (القرآن عمل بشري، القدح في الأحاديث، القدح في الرواية والأسانيد) والمضمون (ما عادت الأحكام سارية المفعول) وربما رأيت الغمر يطعن في أحكام القرآن ويدعي أنها لا تصلح لكل زمان ومكان.

قلت إن معجزات محمد صلى الله عليه وسلم تكاد تكون قليلة قياسًا بالنبوآت السابقة، ويكاد أن يكون القرآن المعجزة العظيمة الباقية، بل لن نبالغ إذا قلنا أن معجزة الأمة في كتابها، الذي وقف أمامه أرباب الفصاحة والبلاغة مبهوتين وتحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله، بل بسورة واحدة (لينفي عنه شبهة أنه عمل بشري) وهذا التحدي سيبقى مفتوحًا كل العصور، فكيف لكتاب معجز أن يتأتى لعصر واحد وتكون أحكامه صالحة لزمان ومكان واحد، أفلا ينتفي عنه الإعجاز حينما تنتفي عنه الصلاحية لكل الأزمنة؟

عديدة الأسئلة وكثيرة التي يجب أن يسألها كل مسلم بل منصف يبتغي الحق. ما دامت أحكام القرآن ظرفية لماذا نزل كآخر كتاب سماوي؟ ولماذا بقي محفوظًا لم يمسسه التصحيف والتحريف كباقي الكتب؟ هذه أسئلة بمقدور كل واحد أن يطرحها، ليست عصية على أحد، وسيتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أوقف العمل بحد السرقة في عام الرمادة مع أن الآية صريحة، فهل قالوا إن أحكام القرآن ما عادت صالحة، وكثيرة هي الآيات التي خالف فيها النص ظاهريا، لكنه تنبه إلى شيء خفي عمن تبنى أطروحة عدم الصلوحية، لقد اعتمد كثيرًا على المقصد من الآية، وهذا شمل أيضًا الأحاديث، ولم يكن وحده، بل نجد كثيرًا من الصحابة خالفوا النص ظاهريًا، لكنهم استخلصوا المعاني من المضامين ومقاصد الآيات، ولم يكتفوا بظاهر الآية، فالمسألة ليست مسألة صلاحية، ولكن مسألة فهم وإدراك. لو سلمنا بأطروحة عدم الصلاحية، فسيكون زمن الصحابة الكرام أول زمن لا تصلح معه الأحكام وتنطبق عليه الآيات.

نحن جيل نحب الذيوع والشهرة ولا نجد غير الاجتراء على كل ما هو مقدس، وليت كان لنا المنهج العلمي أو السابقة إلى ذلك، فقد سبقنا قوم إلى نقد المقدس فكتب أرنست رينان كتابه اليسوع ناقدًا المسيحية وما فيها من تلفيقات وأساطير يونانية وكتب إميل لودفيج ترجمة للمسيح حتى المؤرخ إدوارد جيبون إدعى أن المسيحية سبب اضمحلال الرومان وسقوطهم لأنها هادمة للمدنية، وكعادتهم، المفكرون العرب أسقطوا تلك الكشوفات على الإسلام وحضارة العرب وكان على رأسهم طه حسين الذي اتبع التشكيك الديكارتي، وديكارت بريء من منهجه، بل قيل إن ديكارت كان يعذب الحيوانات، ويظن أنها لا تتألم؛ حتى جاءت كشوفات داروين، وأثبتت أن الحيوانات تتألم كما يتألم الإنسان، أفيكون ديكارت حجة يعتمد عليها في مذهب علمي؟

ظهرت أطروحات نقد المقدس في أوروبا في وقت كانت تشهد فيه حروبا استعمارية وهيمنة نظرية الشعوبية، قوامها أن الآرية (العرقية الأوروبية) أفضل من السامية (الشعوب العربية والأفريقية) وكان رينان أحد المتعصبين لها، ولا شك تم توظيفها لنقدس الكتب المقدسة.

ولسائل أن يتساءل لماذا كان الشرق مهبط الوحي؟ لماذا لم يعرف التاريخ غير الشرق أرضًا ومهدًا للأنبياء؟ ولو كان الأنبياء عليهم السلام خرجوا من أوروبا هل كان ليشملهم ذلك الطعن والقدح؟ وهل كانت لمقدساتهم لتعرف تجريحًا كما عرفه الشرق؟

إن أكبر كذبة يروج لها ممن يسمون أنفسهم مثقفين أن القرآن مستلهم من اليونان، ومتأثر بها لتشابه قصص القرآن مع بعض أساطير القرآن حسب منظورهم وهذه فرية عظيمة لأن العرب المسلمين لم يعرفوا الفلسفات اليونانية ولم ينفتحوا على التراث الإغريقي إلا مع ازدهار حركات الترجمة في عهد الدولة العباسية، وإن كان هناك احتكاك فقد كان مع الآشورية والبابلية ومصر، كيف نفسر ذلك التشابه إذًا؟

لا شك أن اليونان وصلت إليهم بقايا من الرسالات السماوية مثل قصة نوح عليه السلام والطوفان وأدخلوها في أدبهم حتى بدا للبعض أنها يونانية خالصة، وهذه النقطة أثارها الكثيرون، يقول توماس بلفنش: وللفلاسفة عن نشأة الأساطير نظريات كثيرة منها أن جميع الأساطير مشتقة من الكتب المنزلة وإن تكن الحقائق الأصلية قد بدلت أو أخفيت معالمها، فليس ديوكاليون إلا اسما آخر من أسماء نوح كما أن هرقل هو شمشون وآريون هو يونان (يونس عليه السلام)، ويقول والتر رالي في كتابه تاريخ العالم: إن التنين الذي يسهر على حراسة التفاحات الذهبية هو الأفعى التي خدعت حواء، وأن حادثة صرح النمرود هي نفسها محاولة المردة الثورة على زيوس، وتعرض إلى نظريات أخرى في تفسير الأساطير بإمكان القارئ العودة إليها في كتابه الأساطير.

بقي لنا أن نقول: إن القرآن أعمق من أن يخاطب عقلًا واحدًا، فقد راعى جميع العقول والمستويات، ومن الحماقة أن ندعي أن أحكامه نافذة لعصر بعينه أو بيئة بحالها، فربما كانت الآية وسيلة، وليست غاية في حد ذاتها، كما تعرض إلى ذلك العديد من الفقهاء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أساطير, أمم, دين
عرض التعليقات
تحميل المزيد