في مراحل طفولتي المبكرة كنت أعاني من التفكير الزائد حيال قضايا الخلق والكون والله، كنت أسال أختي الكبرى هذه الأسئلة: كيف ولماذا خلقنا؟ هل أستطيع أن أخلق شخصًا أريده أم هو عمل مختص به الله؟ لدى فضول جم لرؤية الله، هل بإمكانى رؤيتة حقًا؟ كيف يستطيع أن يسمع دعوتى ودعوات جميع البشر في آن واحد، وفوق ذلك يراقب تصرفاتنا؟ ألم تخبرينى أن الله رؤؤف رحيم!حسنًا لماذا نرى كل هؤلاء الفقراء والجوعى والمعذبين من أثر الحروب؟ والسؤال الأهم: لماذا لم نتفق على إله واحد نعبده؟ حاولت أختي أن تهدئ من روعي، وتفسر لي كل ذلك بما يتناسب مع عقلي الصغير آنذاك.

كانت لي صديقة مسيحية، أجلس معها في فترات الراحة الدراسية، كنا نقوم بحل مجموعة من الاختبارات في مذكرة كراسة الأول، كانت تضم اختبارات في الدين الإسلامى والمسيحى معًا، تطرقنا حينها إلى الموضوع الشائك: من هو الإله، بمنظور كل واحد منا؟ أخذنا نتبادل أطراف الحديث، ولعل أجمل ما فيه بساطتنا، وعمق إحساسنا الصادق، قلت لها: أرى الله في صلاتي، واستشعر بوجود أمان وسكينة عندما أقرأ القرآن .قالت لي: جميل، وأنا أرى يسوع في كل جمال، وأستشعر بروحانية عظيمة عندما أذهب إلى الكنيسة، وأحبه جدًا عندما يرشدني وأحصل على درجات نهائية في اختبارات نهاية العام الدراسي، قلت لها مازحة: ولكن أنا من أقوم بإعطائك الإجابات الصحيحة في الاختبارات؛ لذلك تتفوقي!

يقول الباحث فى علم الأديان ستيفن بروثيرو مؤلف كتاب: الإله ليس واحدًا، إن الأديان تختلف لأن الأسئلة الأساسية التي طرحتها أسئلة مختلفة؛ فالمسيحية تساءلت عن كيفية تحقيق الخلاص من الخطيئة، والهندوسية تساءلت عن كيفية الانتهاء من دورة تناسخ الأرواح، والبوذية تساءلت عن كيفية التغلب على المعاناة، وكل منها خرجت في نهاية المطاف بجواب مختلف، بممارسات مختلفة، وبوسيلة دينية وفكرية مختلفة.

صادفت الفيلم الوثائقي قصة الإله Story of The God، والذى يقدمة الممثل العالمي مورجان فريمان، والذي يعرض على قناة «ناشونال جيوجرافيك»، وقد عرض له حتى الآن موسمان فقط. هذا الفيلم يتناول مسائل أساسية وفلسفات عميقة كانت تراودنى منذ طفولتي، مثل: ماوراء الموت؟ من هو الرب؟ لماذا الشر موجود؟ الدليل على وجود الله! الجنة والنار.

لن أتطرق إلى عرض نبذة تعريفية بكل حلقة والتحدث عن فحواها؛ لأني أتمنى من كل من يقرأ المقالة أن يتحمس لرؤية الفيلم والتعمق فية أكثر، ولكن سأعرض رأيي فى نقاط عن هذا الفيلم المثير للجدل .

_من حيث المحتوى والمضمون، والتسلسل في السرد، والبساطة في الأداء، والبعد عن التعقيد، فهو عبقري، أرى مورجان هنا بسيطًا جدًا في حواره، غير متكلف، كان ينقصة أن يحتسي كوب شاي، ويمص القصب مع ضيوفه.

_يبدا (مورجان) كل حلقة بالحديث عن قصة قد تعرض لها تخدم مضمون الحلقة، مثلًا في الحلقة الأولى: ما وراء الموت، بدأ حديثه، وقال إنه في عمر السابعة إلى الثامنة عشر قد واجهته عقبات كثيرة، من أهمها: اختبار الموت؛ فقد توفي عنه جدته وأخوه، ويقول: الجميع يحزن على فقد أحد ما، إلا أن لدى بعض البشر يقين يساعد البعض على التغلب على الحزن، إنهم متاكدون من أنهم سيرون أحباءهم مجددًا في الجنة، ولكن يبقى السؤال: ماذا يحدث عندما نموت؟

بالطبع هذة المقدمة تحفزك وتثير فضولك لاستكمال الحلقة، لاحظت التركيز على وجه (مورجان) كثيرًا أثناء حديثه؛ مما أضفى على الفيلم جوًا من الصدق في تعبيرات إحساسه وعند وصوله لاستنتاج ما في أية ديانة، أما عن نهاية كل حلقة، فستجد أنها تعطيك ملخصًا بسيطًا عما دار خلال الحلقة، وتفتح لك بابًا للتعمق والفلسفة، ولا توجه رأيك أو معتقدك نحو معتقد بعينة.

_أعشق أداء مورجان التمثيلي، ولكن في هذا الفيلم لم يكن ممثلًا على الإطلاق،بل استشعرت أنه شخص فضولي مثلي يريد أن يستكشف العالم، يريد أن يعرف حقيقة الأديان فعلًا، وقد حسدته كثيرًا؛ لأني أعشق السفر والترحال، وكنت أود أن تسنح لي الفرصة مثله للتعرف على ثقافات الشعوب. الاحتكاك المباشر هذا يجعل المرء يتعمق أكثر، وقد أقر الله ذلك وحث على أن نبحث ونتأمل في الكون، قال تعالى: قل سيروا فى الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشىء النشاة الآخرة إن الله على كل شىء قدير.

توقيت الفيلم من وجهة نظري مناسب جدًا؛ حيث انتشر في الآونة الأخيرة معتقد الإلحاد وإنكار وجود الله من الأساس، في هذا الفيلم حاول مورجان أن يجمع شتات الديانات الإبراهيمية الثلاث: الاسلام، المسيحة، اليهودية، وحتى الأديان غير السماوية، كالهندوسية والبوذية وحضارة مصر القديمة، وكان يبحث عن القواسم المشتركة في كل معتقد، الفيلم يدغدغ الوجدان قبل العقل، وأرى أن هذا الأمر نفتقره في مجال مقارنة الأديان.

من حيث حيادية الفيلم: أرى أنه حيادي بنسبة كبيرة، نعم لقد استعرض الديانات المختلفة بصورة فائقة في الاحترام دون التسخيف أو الحط من قدر  أي مذهب أو معتقد، ولكن ما أثار حفيظتي أنه قد جانبته الحيادية في حلقتين من حلقاته؛ حيث أهمل الجانب الإسلامي، وأيضا تألمت عند رؤية العلم الإسرائيلي في القدس والتركيز عليه، ولعل أجمل لحظة استشعرتها حديث مورجان عن الكون، وأن الاسلام قد فسر نشأة الكون بالدخان، وهذا التفسير يتوافق إلى حد كبير مع نظرية الانفجار الكبير Big Bang.

الفيلم إجمالًا: نعم يريد أن يستعرض التساؤلات والفلسفات الدينية، ولكن في اعتقادي أنة يريد أن يرسخ عبارة: لا تشتم إلهًا لا تعبده، تلك العبارة التي كتبت على إحدى المعابد في تدمر السورية باللغة الآرامية، حيث كان التدمريون يتباهون بتعدد آلهتهم، هذا الفيلم يريد أن يقول لك لا تشتم ولا تستخف بدين أو معتقد أحد؛ حتى نحافظ على إنسانيتنا من الصراعات الدينية والتفكك والخراب المجتمعي، وهذه سنة الله في الكون: الاختلاف، ويبدو أننا لن نتفق على إله واحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد