سأستهل بداية هذا المقال بقصة قصيرة ومعبرة، ذات يوم أراد مجموعة من رجال الدين معرفة كم سنًا لدى الخروف في فمه، فأحضروا كتبهم المقدسة واعتكفوا لمدة 15 يومًا يبحثون عن الإجابة في هذه الكتب، ولم يجدوها، حتى تكلم رجل في مقتبل العمر منهم وقال: «لماذا لا نفتح فم الخروف ونعد أسنانه؟»، فاتهموه بعدها بالتعالي على الدين والكنيسة بصفة عامة لأنهم ببساطة لم يتقبلوا فكرة أن المعرفة قد يكون لها مصدر غير كتبهم المقدسة، ولو أمعنا النظر جيدًا سنجد أنه نفس السيناريو تقريبًا الذي حل بجاليلو جاليلي أحد أعظم علماء في أوروبا آنذاك. لأن الشجاعة التي تحلى بها غاليلو مكنته من اختراع تليسكوب فضائي، والذي كشف من خلاله أقمار المشتري. كما أن الشجاعة التي تحلى بها نيوتن حتى توصل إلى حساب مدارات الكواكب وصياغته أيضًا قوانين الحركة وجهت ضربة قاصمة للكنيسة، وكل هذا نتيجة الثورة «الكوبرنيكية» التي أشعل فتيل نارها العالم «نيكولاس كوبرنيكوس» والتي كانت تعارض فكرة ما كانت تقره الكنيسة وعلماؤها بأن الأرض مركز الكون وأن شمس تدور حولها، حيث بينت هذه الثورة أن الأرض كغيرها من الأجرام السماوية تدور حول الشمس. كل هذه الأفكار مهدت إلى حقيقة واحدة وهي أن السبيل الوحيد للمعرفة هو العلم.

إثر تمعنكم لعنوان هذه المقالة سنجد أنه يتناول العلاقة بين الفيزياء والدين وليس العلم والدين، لماذا الفيزياء؟ صراحة الأمر الجواب في غاية البساطة؛ لأن الفيزياء هي ذلك العلم الشامل، والذي يتنبأ بجميع الظواهر الطبيعية التي نعيشها كما أنها ذلك العلم الذي يتميز بدقة القياس في كل شيء، أو بإجابة أخرى أكثر اختصارًا لأن الفيزياء أم العلوم. هذا العلم الذي تحمل المسؤولية في الإجابة على الأسئلة الوجودية، مثل كيف نشأ الكون؟

بالعودة إلى الدين وسأقتصر في حديثي عن الدين الإسلامي، لكوني مسلم، فهو ببساطة يشرح مجموعة من الامور على غرار كيف أن البشرية نزلت على كوكب الأرض بعد حادثة طرد آدم من الجنة، وبعدها حكم الله عليه بالنزول للأرض لكي يعمرها، من هنا نفهم أن الأرض كانت جاهزة لاستقبال آدم، أي كان بها ماء وغلاف جوي… لكن ما هو أصل كل هذا؟ فالقرآن الكريم لم يذكر التفاصيل الدقيقة لنشأة الكرة الأرضية، لكن الفيزياء ستتحمل عبئًا ثقيلًا في محاولة البحث عن الجواب من خلال إعطاء مجموعة من التفسيرات العلمية.

ولكي نكون واضحين جدًا، فالدين ورثناه عن أسلافنا، وعلى قدر إيماننا وراحتنا له، لكن الأمر مختلف جدًا عن الفيزياء، فهي لا تقوم ولا تتطور إلا بالنقد والشك. لكن في الأواخر ظهر مجموعة من رجال الدين يفسرون النظريات الفيزيائية بمجموعة من الآيات القرانية، وكل هذا سببه بعض رجال الدين، وفهمهم الخاطئ للآيات القرآنية، أو بالاحرى تفسيراتهم الخاطئة لهذه الآيات، فمهدوا بهذا لظهور شيء اسمه «الإعجاز العلمي في القران الكريم». وهذا شيء صراحة نشمئز منه.

فالقرآن الكريم هو نص ثابت في حين أن العلم متغير ونظرياته متطورة، فالنظريات العلمية هي كذلك لأنها فانية، لكن للأسف تجد بعد رجال الدين يفسرون مثلًا نشأة الكون أو نظرية الانفجار العظيم بقوله تعالى في سورة الأنبياء، الآية 30: «أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا».

لكن لو أردنا التحدث بمنطقية وخلافًا لما يقصده الله من هذه الآية، فنظرية الانفجار العظيم هي مجرد نظرية لم تتبث صحتها بعد حتى تصبح حقيقة علمية ولو افترضنا أن هذه نظرية خاطئة فهذا سيقودنا إلى القول إن القرآن مشكوك في أمره، وهذا يتعارض مع واقع أن القران كلام مقدس منزل من الله.

لهذا لا يجب علينا أن نستمد المعرفة العلمية من الآيات القرآنية لأننا بذلك نكون قد شوهنا الدين والعلم. ويجب علينا صراحة الأمر التمييز بين الدين والعلوم الدينية.

فالدين هو أشياء نؤمن بها وهو يخاطب الروح ومجرد من الخطأ والشك، والعلم يخاطب العقل والمنطق ويضع نظريات قابلة للنقاش وتفسير النظريات الفيزيائية بالآيات القرآنية سيجعلنا نضع الإسلام تحت المجهر ونشكك في صحة هذه الآيات التي تعتبر مقدسة تخلو من الشك، بل يجب أن نعرف العلم هدفه دنيوي بالأساس يقودك لفهم الكون، وعمل الطبيعة، والدين هو الآخر يشير إلى ضرورة التفكر في هذا الكون كنوع من الإيمان، و هذه هي نقطة التكامل بين الاثنين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد