لم تخل أمة من الأمم على مر العصور من الدين والتدين، فقد كان الدين أساسًا يتبناه الإنسان في حياته، والذي جرى أن تعددت صوره في كل عصر من العصور بما يتوافق مع رؤيتهم وعلمهم آن ذاك.

يقول الدكتور محمد العزيري: فـ«عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانة ظهرت في البشر، والوثنيات ما هي إلا أعراض طارئة أو أمراض متطفلة»، ومن أشهر القائلين بهذا الرأي لانج الذي أكد وجود عقيدة الإله الأعلى عند القبائل الهمجية في أستراليا وأفريقيا وأمريكا، ومنهم سريدر الذي أثبتها عند الأجناس الآرية القديمة، وبروكلمان الذي وجدها عند الساميين قبل الإسلام، وشميدات أكدها عند الأقزام وقبائل أستراليا، وهذا مصداقًا لقوله تعالى: «كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ».

ومبعث هذا التدين ليس الخوف من الطبيعة ولا اعتقاد حلول الأرواح، ولا السحر كما فسر ذلك أصحاب النظرة المادية، ولكنه الوحي. وهو الصورة الأولى التي عرفها الإنسان الأول آدم وتعلمها ووقف عليها، ويوضح القرآن الكريم هذه الحقيقة مبينا أن الله سبحانه هو مصدر التعليم لآدم كما في قوله تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ»، «خَلَقَ الْإِنْسَانَ. عَلَّمَهُ الْبَيَانَ».

ولا يعقل أن الله يعلم الإنسان الأسماء ووظائفها وخصائصها ومراتبها ومنافعها ومضارها ولا يعلمه ربه الذي خلقه وأنه يتعبده أو يطلب اليه يعبده وأن يذكره ويشكره ويسير بين إخوته على هديه وعلى قانونه.

فالدين ضرورة للإنسان. يقول أرنست رينان: «من الممكن أن يضمحل ويتلاشى كل شيء نحبه وكل شيء نعده من ملاذ الحياة ونعيمها، ومن الممكن أن تبطل حرية استعمال العقل والعلم، ولكن يستحيل أن ينمحي التدين أو يتلاشى، بل سيبقى أبد الآباد حجة ناطقة على بطلان المذهب الماديّ الذي يود أن يحصر الفكر الإنسانيّ في المضايق الدنيئة للحياة الطينية».

ثم يأتي صاحب الوجهة المادية ليقول للناس: إن الدين أفيون الشعوب!

أيا صاحبي المقدس: إنني أتفق معك في أن الدين الذي يحجر على الفكر والإبداع، ويقصّر في واجبات أتباعه، ويدعو الناس إلى الرضى بالدون، والخنوع للجهل والفساد.. إنني أتفق معك على أن هذا النوع من التدين أحرى أن يسمى بـأفيون الشعوب؛ بل بمُهلك الشعوب!

لكن هل فكرت يومًا في أن الصورة المشوهة عن للدين (بشكل عام) إنما أتت من أُناس كل غرضهم شهواتهم وتلبية احتياجاتهم ولو كان على حساب الآخرين؟ فصاروا يُخادعون ويكذبون ويُنافقون.. وسموا ذلك دينًا معصومًا، واتبعوه ودعوا الناس إليه! فصار المستبد الظالم يُلبي رغباته باسم الدين، ويُحارب من أجلها، ويقتل ويسفك دماء الأبرياء لتحقيقها!

فـبني صهيون يكتبون دينهم بأيديهم، يضعون ما يعتقدونه وما يُريدون، ثم يقولوا هذا دين من عند الله! يحتلون أراضي ليست من حقهم ويقتلون ويغتصبون باسم معتقداتهم التي أطلقوا عليها دينًا!

ورجال الدين يضعون عقيدة فاسدة تُــلبي حاجاتهم ورغاباتهم، ثم تجد هذه العقيدة الفاسدة الكاسدة يُـطلق عليها دينا!

كن منصفًا يا صديقي! إنه دين واحد مقبول عرفته الإنسانية منذ بدايتها، ومع أول قدم تطأ هذه الأرض وجد هذا الدين.. لقد وجد مع آدم عليه السلام، أول إنسان وضع قدمه على هذه الأرض، إنه الدين الذي ارتضاه الله للناس أجمعين.

لكن لم تخل البشرية على مر العصور من أصحاب مصالح يشوهون ويزيفون الحقائق التي تقف ضد رغباتهم الشخصية.

فتارة يُكـذّبون الداعين للحق (الرسل الكرام)، وتارة يُحاربون المُـصلحين في الأرض، وتارة يشوهون صورة الدين ليجعلوه متوافقًا مع مطامعهم ثم تجدهم يتغنون بالإنتساب إليه!

ثم لما جاء المؤيَّـد (محمد ابن عبد الله عليه الصلاة والسلام) الذي بيّن الحق والباطل، ووضع قواعد العدل وأرساها.. كانت المُفارقة بين الهدى والضلال وظهر كلاهما جليًا وعُلمَ الصحيح من السقيم.

فالذين يقولون إن الدين هو أفيون الشعوب متأثرون بمشاهد من يتحدث باسم الدين (شيوخ، حكومة، متدينون) يقولون كلامًا ويفعلون خلافه: يقتلون باسم الدين.. يسرقون باسم الدين.. يكذبون باسم الدين.. يأتون الفواحش باسم الدين.. يُسفّهون العقل والمنطق باسم الدين.. يغتصبون الأفكار باسم الدين!

هذا النوع من المتدينين يُـخادعون الناس باسم الدين!

إن هذه الأفعال السيئة جعلها أصحابها دينًا آخر غير الدين الذي أنزله الله، وهذا الدين الباطل هو بالأحرى أفيون الشعوب ومُـهلكها!

إن رجال الدين الذين نصّبوا أنفسهم وكلاء عن الله في دينه وخلقه هم صانعي هذا الأفيون! وكذلك الحكومة الظالمة التي تتكلم باسم الدين لتنهب أموال الناس وتسرق حقوقهم.. إن هؤلاء هم صانعي هذا الأفيون!

إن مخالفة العقل وإهانة المنطق ومحاربة العلماء المُـصلحين لهو فعل سيئ لا يصدر إلا عن خائف مُذبذب ليس على الحق!

إن دينًا علّم الدنيا كلها معنى العدل والحرية والكرامة، وصنع حضارة، وأقام القسط بين الناس، وحث الناس على العلم، بل إن أول كلمة فيه تحض على العلم وتحث على التعلم.

إن دينًا تكون غايته في الدنيا إصلاح الناس وإقامة أخلاقهم، يقول قائده: إنما بعثت لأُتمم مكارم الأخلاق. إن دينا يحكم قاضيه لغير متبعيه على حساب متبعيه لعدم وجود الدليل والبرهان مع أتباعه.

إن دينًا يعلم البشرية الأدب والأخلاق ويقول قائده: أدّبني ربي فأحسن تأديبي.

إن دينًا يُقيم الحرب – الجهاد – ليس من أجل الإستيلاء على الأراضي ولا لأخذ الأموال ولا لاستعباد الشعوب.. وإنما من أجل حماية الخير إن اعتدي عليه ليصل للناس كافة فيعيشوا في ظله مُنعمين سعداء.

إن دينًا يأمر أتباعه بأن يقولوا للناس أحسن الكلمات وأجمل العبارات «قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن»، ويضع لهم كلامًا هو أحسن الكلام وأحسن التشريع «الله نزل أحسن الحديث كتابًا». إن دينًا يُريد أن تتحول المجتمعات إلى أحسن الحالات.

إن دينًا جعل للعقل كرامة الدليل، وجعل للعلم مكانة فلا مخالفة له ولا تناقض معه، وللمنطق قيمة فلا تسفيه للأشياء من أجل هوى أعمى، فقال: «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين»، « إن بعض الظن إثم»، « ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضًا»، « ولا تقربوا الفواحش»، « حب لأخيك ما تحب لنفسك، الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى».

إن دينًا يشحذ همم المظلومين والمهضومين فلا يخنعوا لظالم أو مفسد من قتل دون ماله فهو شهيد، من قتل دون عرضه فهو شهيد، من قتل دون أهله فهو شهيد.. والشهادة أعظم منزلة يتبناها المؤمن جزاءً له.

إن دينًا كهذا ليس أفيونًا للشعوب! إنما هو المُنشط للشعوب، المُقظ للقلوب، الصارخ في الآذان: أن أفيقوا، حان وقت العلم والعمل والإتقان وإيصال الخير للناس.. إن دينًا كهذا لهو أحق أن يُتبع، وأجدر أن يُحتكم إليه، وأفضل دين يرتضيه الناس. «ولكن أكثر الناس لا يعلمون»!

إن من الأسباب المهمة للضياع الفكري للشعوب، وهو أهمها: عدم وجود مناخ مناسب للعقل العربي، فالعقل العربي مُكبل بالمشاكل الاقتصادية والإجتماعية، وضائعة حقوقه في الجانب السياسي، ومُنحصرٌ فكره في كيفية الحصول على المأكل والمشرب، لا يهتم بالأخرين ومشاكلهم، ولا بالأمة وظروفها؛ بل فكره كله منحصر في ذاته وشخصه.. كيف يعيش هذا المواطن سعيدًا على هذا الحال؟

فإذا تحرر العقل من هذه الظروف الاجتماعية والسياسة والإقتصادية البائسة، ووجد وطنًا يحكمه أطهار مُصلحون حينها سيصبح إنسانًا حرًا مسؤلًا، وعند وصوله لهذا الشرف.. شرف الإنسانية يصبح قادرًا على التفكير الهادف المستنير بنور القرآن والحرية.

وقد لخص شكيب أرسلان هذه الحالة بقوله: «الرُقي الفكري متصل بالاستقلال السياسي اتصال النتيجة بالمقدمة».

وقد يخرج أفذاذ في فترة الضياع.. ولكن الشاذ عن القاعدة لا يهدمها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد