الناس يفهمون الدين على أنه مجموعة من الأوامر والنواهي ولوائح العقاب وحدود الحرام والحلال وكلها من شوؤن الدنيا لكن الدين أمر آخر أعمق وأشمل وأروع، الدين في حقيقته هو الحب القديم الذي جئنا به إلى الدنيا والعطش الروحي إلى النبع الذي صدرنا منه.

الدين لا يقاس بالبنطلون أو القميص، الدين يعني أسباب الراحة والاستمتاع، الطرق التي تجعلني أرتاح، فإن لم تكن سعيدًا وفي قمة الصحة والعافيه وإن لم يكن الرزق يأتيك تمامًا من كل الاتجاهات فهذا يعني أنك فاهم الدين خاطئ أو أخذته من مصدر خطئ. فالله تعالى يقول في قرآنه الكريم: سورة الزمر: قال تعالى: «أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»، فأن تقول لي حب الدنيا والرغبة في الاستماع بها ليس من الدين والآخرة، ثم الآخرة وأهوالها، فأنا هنا أعارض، فلو كان كذلك فلم خلق الله كل هذا الجمال في الدنيا وقدمه لنا!

مشكلتنا نحن المنتسبين للإسلام منذ قرون لا تكمن في عدم تطبيقنا للإسلام، بل في أننا لم نفهمه بعد [1] وكمجتمع إسلامي نظن أن رأي عالم الدين في الدين هو الدين، وهذا معتقد خاطئ، الشافعي وابن تيمية… وغيرهما، ومنهم من العلماء الكبار في زمانهم، وقد فسروا وقاسوا الأمور على حسب زمانهم ذاك.

ألا يمكن لشخص اليوم في القرن الحادي والعشرين أن يكون له رأي مخالف للأئمة الأربعة، ما المانع إن كان لديه دليل قوي، والمانع أن تأتيه حجة أقوى؟ وهذا لا ينتقص من فضل الأئمة وقدرهم، ولا يقلل من جهدهم وفضلهم، ولكنهم ليسوا أنبياء معصومين، فالخطأ وارد والتقصير جائز.

وبناء عليه ولإعتقادنا أن دين الإسلام صالح لكل زمان ومكان، فيجب إعطاء مساحة للعلماء المعاصرين كي يعرضوا أراءهم مع تقبل آراء مخالفة للأئمة السابقين إن ملكوا حججًا أقوى، فعندما يحدث هذا سيكون معناه أن الفقه الإسلامي قد ضُخَّت في عروقه دماء جديدة.

فلابد أن نعيد القرآن مرة ثانية من القبور والتعازي إلى الحياة ونقرأه على الأحياء لا على الموتى. [2]

ومما يؤَيٍد ما نذهب إليه أنه في سنوات ازدهار الفقه الإسلامي خرج أبو حنيفة رحمه الله بآراء فكرية، خالفه تلميذه أبو يوسف في الكثير من المسائل، رغم أنهما كانا في بغداد في المدينة نفسها وفي العصر نفسه وفي المجتمع عينه، ومع ذلك حصل تعدد للآراء الفكرية وتنوع للرؤى الفقهية. [3]

كان اختلاف أبي يوسف مع أستاذه أبي حنيفة ليس اختلاف دليل وبرهان، ولكنه اختلاف الزمان والمكان، هذا على الرغم من أن الزمان بينهما بضع سنوات فقط، فما بالنا نحن اليوم والفجوة الزمنية بيننا وبين الأئمة الأربعة أصبحت أكثر من ألف سنة.

القرآن له علاقة شخصية مع كل منا ولكل منا رحلته الخاصة وليس يجب بالضرورة أن ينطبق مفهومك على مفهومي فأنت تقطع يد السارق وأنا مضطر إلى أن أسرق إن جُعت.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون عِلم، ومع الجهل بالدين مصيبة تضيق على الناس وتبغضهم في الدين وفصل الدين عن الحياة مصيبة، واعتقاد أن الدين هو الصلاة فقط مصيبة. وتحريم ما أحل الله من أكبر المصائب.

فمن خصائص الطبيعة البشرية أنها شديدة التأثر بما يوحي إليها العرف الاجتماعي، فالإنسان يود أن يظهر بين الناس بالمظهر الذي يروق في أعينهم.

وفي هذا المجتمع ذي الوجهين ينمو الصراع النفسي، فيلجأ البعض إلى الاعتزال أو الرهبنة وإلا اللبس البسيط في الأكل والمشرب معتقدًا أن هذا هو الدين، أما الباقون فنراهم لا يستطيعون الاعتزال، فنراهم يلجؤون في سبيل توفيق بين مبادئ الوعظ وقيم المجتمع إلى حيلة أخرى هي ما نسميها ازدواج الشخصية وقد يتدخل النفاق فيها بعض الشيء. [4]

لكن العيب ليس في الإنسان ذي الشخصية المزدوجة، فهو من صميم قلبه يريد أن يكون محترمًا يشار إليه بالبنان، ويريد من صميم قلبه أن يكون من عباد الله الصالحين يشع النور من وجهه. لكن الوعاظ يقولون له اترك الدنيا وما عليها وأطعم الجوعى قبل أن تشبع أنت. لكن عباد الله الصالحين الحقيقيين كما أمر الله ونبيه هم من يستمتعون بالدنيا وفي عز سعادتهم يشكرون الله ويقولون هذا من فضل ربي.

الدين والقرآن الكريم وسنة النبي محمد كتالوج الحياة فيما يجعلك سعيدًا. [5] فالحل هنا إعادة النظر للتفسيرات مع وجوب توافقها مع عصرنا الحالي مع إعطاء فرص لعلماء اليوم، والنظر إلى الأمور بوسطية وأيسرهم وأسعدهم للمؤمنين وهذا في رأيي هو الحق، فلا طالما أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم أصحابه في الحكم بوسطية ويسر. كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم حرم نقل التفاسير، فقد طلب أن يُنقل عنه الأحاديث والآيات كما هي بدون تفسير فلكل جيل وزمان تفسيره ولكي يفسح المجال للقادمين فقد يكون لديهم علم وتفسير أحسن من السابقين. [6]

هناك أشياء في القرآن هي للدوام وهناك أشياء لا يمكن أن نتوقعها ونقرأها في كل قرن بنفس الطريقه مثلما كان يقرأ في القرن السابع أو الثامن ونحن في القرن الواحد والعشرين؛ لأن المعرفة الإنسانية الآن ليست هي المعرفة الإنسانية للقرون الماضية. فلا يمكن فهم القرآن إلا بطريقة دينامكية وبمفهوم التغيير، فالقرآن جاء بالتغيير والتغيير لا يخص وقتًا معينًا محدودًا فهو تغيير مستمر. [7]

الخطر يكمن في من يظن الدين يعني الشقوة والمصائب، لكن الدين هو كتالوج الحياة للسعادة والنعيم الدونياوي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد