آيا صوفيا هو معلم من أهم المعالم في تركيا، يعظمه مسلمون ومسيحيون لمكانته، بُني آيا صوفيا ككنيسة عام 360م، في عهد الإمبراطور قسطنطين، وسميت حين ذاك ميجالي أكليسيا، وتعني الكنيسة الكبيرة، ثم تغير اسمها لتصبح هاجيا صوفيا، والتي تعني مكان الحكمة المقدسة، شب في هذا المبنى العتيق حريق ضخم؛ مما دفع الإمبراطور تيودوروس الثاني لترميمه، وافتتحه مجددًا ليستقبل المتعبدين عام 415م. في عهد الإمبراطور أيوستينيانوس الثاني تعرضت الكنيسة للحريق للمرة الثانية، فاستعانوا بأشهر المعماريين آنذالك وهم «أيسيدروس الميليتوس، وأنتيميوس الترالليسي» ليعيدوا بناءه وترميمه. استغرقت إعادة الترميم خمس سنوات، وتميز التصميم بدمجه للزخرفة البيزنطية مع اللمسة المعمارية الشرقية على الطراز الباسيليكا المقبب، بلغ طوله 100متر، وارتفاع القبة 55مترًا وقطرها 30مترًا، ومع دخول الفتح الإسلامي إلى تركيا لم يكن هناك مسجد للمسلمين للصلاه فيه، فأمر السلطان محمد الفاتح بتحويل آيا صوفيا إلى جامع، وبعد ذلك اشتراها بالمال، وأمر بتغطية الرسومات الموجودة بداخلها، ولم يؤمر بإزالتها حفاظًا على مشاعر المسيحين. وأتى أتاتورك، ورفض أن يسير على خطى السلطان محمد الفاتح، وقرر أن يحوله إلى متحف في عام 1934، وفي عام 2016 عاد ليفتتح آيا صوفيا مسجدًا من جديد.[1]

شهدت رحلة آيا صوفيا تحول السياسات التي شهدتها المدينة مع اختلاف نظام الحكم، والتي تشير إلى التداخل والسجال بين الدين والدولة، منذ إنشائه كاتدرائية الأرثوذكسية الشرقية، مرورًا بتحوله إلى كاتدرائية الكنيسة الكاثوليكية، ثم إلى كاتدرائية الأرثوذكسية الشرقية مرة أخرى، وإلى مسجد الإمبراطورية العثمانية وتحوله إلى متحف، ثم أخيرًا عودته إلى مسجد.[2]

تمثلت قرارات تحويل آيا صوفيا في الكثير السياسات الحاكمة في تركيا، والتي مثلت طبيعة الحكم في تلك الفترة والتداخل بين الدين والدولة، وتطور الحكم للوصل إلى العلمانية، ومن هنا نحاول في هذه الورقة استعراض أهم السياسات الحاكمة إزاء هذا المبنى، وهل كان للدين شأن وتدخل بها. من خلال الإجابة عن تساؤل كيف تؤثر التوجهات الدينية لمن في الحكم في التوجهات السياسية وفي عملية اتخاذ القرارات؟

العلاقة بين المسجد والكنيسة

مع انتشار المسيحية في تركيا عام 330م نقل قسطنطين الأول عاصمة الإمبراطورية من الغرب إلى الشرق؛ ومن ثم زادت أعداد المسيحين، فكان لا بد من بناء كنيسة كبيرة للصلاة فيها، وتكون رمزًا على قوة الإمبراطورية، ولذلك أمر الإمبراطور الروماني قسطنطين ببناء كنيسة للدين الجديد، وهي ميجالي أكليسيا، وتعرف أيضًا باسم الكنيسة الكبيرة، لم يشأ الإمبراطور أن يبني الكنيسة على الطراز المألوف، فاستدعى أشهر معماريي العصر لبنائه، واستخدم في العمل عشرة آلاف عامل، وأنفق عليه 320 ألف رطل من الذهب – كل ما في الخزانة- استغرق البناء خمس سنوات متتالية.[3] وفي عهد ثيودوسيوس الأول اجتاحت البلاد موجة من التمرد والفوضى العارمة، وخصوصًا عقب حربه على الهارتكة، وأمره بحريق مكتبة الإسكندرية، واستطاع في هذه الفترة أن يحقق الكثير من المكاسب على الوثنية وازدادت قوته، وفي أثناء ذلك احترقت الكنيسة مرات عدة.

أما في عهد الإمبراطور جستينيان الأول ألحق الكثير من الأضرار بالكنيسة أثر ثورة نيكا التي قامت بسبب فرض الضرائب عام 532م، لذا أصدر أمرًا بالعمل على إعادة بناء الكنيسة؛ لأنه أراد أن يترك بصمته في المدينة كما فكر معظم الأباطرة في ذلك الوقت.[4] افتتحت الكنيسة بعد ذلك عام 537م، وأطلق عليها آيا صوفيا، وفي تلك الفترة كانت الإمبراطورية تواجه أكبر حروبها ضد الفرس، كما كان هناك جبهتان أخريان للحرب، إحداهما في أفريقيا من الوندال بين عامي 533 و534م، والأخرى في إيطاليا مع القوط بين عامي 535 و 554م، إلى جانب ذلك عرف عن جستنيان شغفه بالفنون والدين، وهو ما جعل الازدهار يخيم على الإمبراطورية؛ فازدهرت الفنون والعمارة، فعمل على بناء الكنائس، والسدود، والجسور، والتحصينات في جميع أنحاء الإمبراطورية، ليعيد أمجاد الدولة الرمانية.[5]

فيما تلى ذلك تحولت آيا صوفيا إلى مركز المسيحية الأرثوذكسية في الشرق لعدة قرون، ومع تحول القسطنطينية إلى مركز الحضارة الإسلامية «الدولة العثمانية» بفتوحات السلطان محمد الفاتح، أمر السلطان بتحويلها إلى مسجد وبناء مآذن حول قبتها البيزنطية.[6] وفسر ذلك وقتها بحاجة المسلمين لأداء صلاة الجمعة والمنطقة تخلو من المساجد، أدت هذه الظروف لإصدار فتوى من العلماء في الدولة العثمانية تجيز تحويل الكنيسة لمسجد، والاستفادة منها بدلًا من تركها على حالها المهجور.[7] إلى جانب أن تحولها إلى جامع ليدل على عظمة الفتح الإسلامي، ومكانه الدين الجديد، فأمر ببناء ست مآذن إحداها على شكل مستقيم وذات شرفات، وكانت مبنية بالطوب على الطراز القديم.[8] كما أمر بإزالة الصليب من أعلى القبة، ومن الأماكن البارزة، وتركت الزخارف والنقوش المسيحية على الجدران والسقف دون تغير، ووضعوا غطاءً فوقها دون إزالتها، وكشف عنها بعد ذلك عندما أصبحت متحفًا. وأولى السلطان الفاتح بعض الاهتمامات الحثيثة بالمبنى فبُنيت مئذنتان في عهد السلطان مراد الثالث، والسلطان سليم الثاني، والسلطان بايزيد الثاني، على يد المعماري معمار سنان.[9]

العلمانية وآيا صوفيا

ظل بناء آيا صوفيا مسجدًا لمدة 481 عامًا، مع سقوط الدولة الإسلامية في إسطنبول، وبناء الدولة العلمانية الحديثة على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1935، أمر بتحويل بناء آيا صوفيا إلى متحف ليضم الكنوز الإسلامية والمسيحية، وساعده في ذلك عودة البعثات التعليمية من أوروبا، والذي يعود إليهم الفضل في دخول الأفكار العلمانية إلى تركيا.[10]

ساعدت هذه الأفكار المجتمع على تقبل فكرة التحول إلى العلمانية، وانفصال الدين عن السياسية في عهد أتاتورك، على الرغم من الرفض الكامل لهذه الأفكار في عهد السلطان محمود الثاني، والذي لقب بالسلطان الكافر؛ لأنه فعل بعض الإجراءات التي من شأنها تحويل الدولة للعلمانية، ومنها إنشاء جيش جديد على غرار الجيوش الأوروبية، واستبدل بالقوانين الإدارية قوانين جديدة على غرار القوانين الأوروبية، كما أصدر قوانين تتعلّق باللباس، وأجبر الموظفين والعسكريين على ارتداء الطربوش وحلق اللحية، فالسياق الذي عاشته الدولة العثمانية في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر هو ما أدى في النهاية إلى تقبل الأفكار العلمانية التي حولت المعالم والرموز الدينية إلى متاحف، هذا كله على الرغم من استخدام أتاتورك للمنابر والمساجد للدعاية لنفسه في كثير من المناسبات، وهذ التناقض يأتي من رؤيته للعلمانية «العلمانية لا تعني اللاديني، بل على العكس من ذلك، إنها منحت المجال الواسع للمؤمنين بدينهم للعبادة الصحيحة وغلق المجال أمام المحتالين على الدين والسحرة، والذين ربطوا مفهوم العلمانية باللادين هم الذين يتفقون مع الأعداء بقلوبهم وضمائرهم».[11]

سبق منع الأذان في آيا صوفيا وتحويله إلى متحف مجموعة من القرارات والإجراءات على مدار عشرة أعوام، وهي سلسلة متدرجة من القرارات التي أفضت في النهاية إلى علمانية الدولة بدخول مفهوم العلمانية الدستور أول مرة عام 1937. وفي أعقاب تحوله لمتحف ظهرت نداءات تطالب بعودة متحف آيا صوفيا لمسجد، وكانت تُقابل بالرفض من الحكومة، ومن ضمنها ظهور مجموعة من الشباب تطلق حركات اعتراض ومقاومة أمام المتحف في منتصف الثمانينيات، تطالب الحكومة بإعادة الصلاة فيه، وكانت تقابلهم قوات الأمن بالاعتقالات.

في شهر رمضان لعام 2016 عاد آيا صوفيا مسجدًا من جديد بعد رفع أذان الفجر منه، وهو ما لقي اعتراضات خارجية كثيرة وخصوصًا من اليونان، وجاء ذلك في إطار خطة أردوغان لعودة الخلافة الإسلامية (كما يسميها البعض) أو لأسلمة تركيا، وجاءت بوادرها مع عودة التعليم الديني، وبناء أكثر من 9 آلاف مسجد، هذا إلى جانب تكميم الإعلام؛ إذ أُغلقت أكثر من 50 محطة تابعة للراديو والتلفزيون، ووجود جمعيات أهلية تهدف إلى جمع ربات البيوت وإعطائهم تعليمًا دينيًّا، ومطالبة أردوغان بأراض كان يحكمها العثمانيون، وهو ما لُوِّحَ به فيما يخص الحدود مع العراق واليونان، والمستقرة منذ ما يقرب من الـ 100 عام – معاهدة لوزان- في الوقت نفسه تواصل لجان أمن أهلية تركية مهاجمة النساء وترويعهم من أجل عدم التزامهن بارتداء الزي الإسلامي الشرعي، كل ذلك يشير بقوة إلى عودة تركيا إلى المسار الإسلامي بعد سيرها في المسار العلماني لقرابه القرن.[12]

خاتمة

اختلف الحكام في رؤيتهم لدور الدين في المجتمع، كما اختلفوا في استخدام الدين آليةً لبناء الدولة، فمنهم من حاول أن يفصل الدين عن الدولة، وهو ما ظهر في اتجاهاته وسياساته؛ والذي انعكس على العمارة والفنون، والتعليم، ونمط الحياة الاجتماعي، ويمثله هنا أتاتورك، الذي حاول بشتى الطرق على مدار عشر سنوات نقل تركيا من الدولة العثمانية الإسلامية الشرقية إلى تركيا الدولة العلمانية الحديثة المتطورة، متأثرًا هنا بالدول الأوروبية والسياق الحاكم في ذلك الوقت، من انتهاء الحرب العالمية الأولى، وضعف قوة الدولة العثمانية، وهو ما أثر في السياسات العامة للدولة، وفي نمط الحكم حتى الآن.

وهناك من حاول بناء مجد شخصي له، حتى يخلد اسمه، ويمثلهم هنا جستنيان، أما الحالة الثالثة هي حالة طغيان الدين على الدولة بصورة صريحة، وتمثلها هنا المرحلة العثمانية، والتي تحولت خلالها كل الكنائس إلى جوامع، وشيدت آلاف الجوامع، وبدأ الفن الإسلامي في الوضوح، سواء بالزخرفة، أو النقوشات، أو حتى الخط العربي، وهو ما ظهر في تطور هيكل آيا صوفيا من نشأته لفترة الخلافة العثمانية، فأضيفت إليه الكثير من الفنون والزخارف الإسلامية، التي أعطت له طابعًا آخر. ومن الممكن أيضًا أن نشير هنا إلى فترة أردوغان، فعلى الرغم من أن أردوغان يمثل صورة العلمانية، والتي وصل للحكم بواسطتها، فإنه الآن يحاول وبشكل كبير إضفاء الطابع العثماني على تركيا.

كما أن آيا صوفيا سواء كان مسجدًا أم متحفًا أم كنيسة؛ فإنه يشير إلى السجال بين الدين والعلمانية في تركيا، لم تكن يومًا بالمشكلة الجديدة على الساحة التركيا، فتركيا تمتلئ بالكثير من العرقيات المختلفة، كما أن التاريخ التركي يمتلك الكثير من التنوع؛ إذ كانت منارة الشرق الإسلامي لقرابة الألف عام، ومن قبلها مركز المسيحية الأرثوذكثية لعدة قرون، وهو ما جعل السجال دائمًا بين الدين والسياسية، ودائمًا ما يُلقى على طاولات النقاش في المجتمع التركي ملف الدين والعلمانية، والذي دائمًا ما يستخدم من قبل المعارضة في أثناء التوترات لكسب تأييدات المواطنين، وفي أحوال كثير تستخدمه السلطة للإيقاع بالمعارضة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر