تقديس رجال الدين بشكل زائد يمنعنا من الحياة

مشروب غريب وعجيب ينتشر بين الطلبة في مصر، حبات صغيرة بنية اللون تُخلَط جيدًا وتُشرب لتُبقي الطلبة في حالة تركيز فريدة من نوعها، تجعل لهم قدرات خارقة عن الطبيعة، مثل انعدام الرغبة في النوم ليلًا، والسهر لأجل المذاكرة، بل التركيز في كل ما يقرأونه على غير العادة.

اختراع رائع أليس كذلك؟ لكن بعد نظرة ناقدة فاحصة لرجال الدين في القرن السادس عشر، وجدوا أنه من الأفضل تحريمه؛ فإن هذا الشراب «القهوة» قد يُعَد نوعًا من المشاريب المخدِرة، التي تتلاعب بالعقل البشري الذي خلقه الله – عز وجل- ليميزنا عن باقي المخلوقات، وهذا اعتراض واضح على المشيئة الإلهية، كما أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لم يتذوق هذه القهوة المنبهة في حياته، لذا فهي بدعة، ويجب نبذها وتجنب شاربيها.

واشتد الصراع بين مؤيد ومعارض، حتى وصل الأمر لحد القتال! القتال من أجل القهوة. فهذا المشروب العجيب استحق أن يستشهد أحد المؤيدين له ولتجاره. ولأنه ضحى بحياته وعمره من أجلهم، لاذ التجار لحصار المساجد، وإعلان الحرب على الشيوخ المعارضين. فلم يكن هدفهم نشر الرذيلة، وإنما إيمانًا بأنهم على حق، وبأن القهوة حرية شخصية، والتجارة فيها لا بد وأن تكون علنًا، ولا يخاف حاملها الاكتواء في نار جهنم، فهي – في نهاية المطاف- مجرد قهوة!

اشتعلت الحماسة في قلب «برتا» وهي تعلق الإعلان الذي صممته بنفسها عن موعد ظهور الآلة العجيبة التي اخترعها شريك حياتها بعد سنواتٍ من العمل الشاق بسرية تامة. كانت تؤمن بعزيمة زوجها منذ اللحظة الأولى التي تقدم فيها لخطبتها. ولإيمانها بأن الزوجة المسيحية المخلصة هي من تُعين زوجها في كافة أمور حياته، علقت المنشور في شوارع مدينة مانهايم الألمانية، حتى باتت الجماهير تترقب رؤية ذلك الاختراع المستجد بفضولٍ قاتل.

وكعادة الفضول الإنساني، لا ينتاب الفرد على حدة، بل تصطحبه أحاسيس أخرى تشكل هيئة ذلك الفضول، فيكون فضولًا مصاحبًا للخوف، أو للفرح، أو للقلق، أو للحزن. ولشعوب مدينة مانهايم وبعض المدن المجاورة كان الفضول يصطحبه حالة من الشك والنقد؛ فكيف يمكن لـ«كارل بنز» ابتكار عربة تسير وحدها دون الحاجة لخيول تجرها؟ إن هذا قطعًا مستحيل؛ لأن الرب لم يخلق الكون عبثًا، وقد خلق للإنسان الجياد خصيصًا لتجر عرباتنا، إنه ناموسٌ أزلي لا يمكن لأحد أن يغيره.

جاب هؤلاء المتطرفون كل مكان في مانهايم ليؤكدوا للناس بصوتٍ مُنذر ونظرات حانقة: «أيها المؤمنون بيسوع المسيح، إن العربة الجديدة ليست اختراعًا، وإنما واحدة من حيل الشيطان حتى يهتز إيمانكم بالرب. (كارل بنز) ليس عالمًا، بل مشعوذًا يتصل مع زوجته (برتا) بالأرواح الشريرة، وسترون كيف ستكون نهايتهما مروعة».

وبالرغم من أنهم كادوا يصدقون في بادئ الأمر، إذ فشلت أولى محاولات «بنز» في عرض عربته، وزادت سخرية الجماهير وتصديقهم الأعمى لكلام القساوسة، فإن زوجته المخلصة لم تفقد الأمل، وفي صباح اليوم الخامس من أغسطس (آب) 1888 قادت «برتا» السيارة العجيبة من مدينة مانهايم إلى منزل والدتها في بفورتسهايم على بعد 106 كم لتقدم لزوجها أعظم هدية وهي: إيمان العالم به.

وفي الواقع ثمة الكثير من الأدلة التاريخية التي تثبت بعض الأخطاء لرجال الدين في إصدار الأحكام، ويعتمدون في أحكامهم على آياتٍ مُنزلة تُبقي الشعب صامتًا غير قادر على المواجهة. لا تُسئ فهمي، فأنا لا أتهم الآيات أو الأديان أو رجال أي دين على وجه عام. لكني حقًّا أعترض على عدم استخدام النظرة الناقدة في تحليل الآراء المختلفة، حتى وإن كانت آراء رجال الدين الشرفاء، ففي نهاية الأمر هم بشرٌ، والبشر ليسوا معصومين من الخطأ.

قد وُرِد في حديثٍ للنبي أهمية التفكر في كل فتوى يقولها بشرٌ، إذ قال: «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ وَاسْتَفْتِ نَفْسَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ»، فلا تفكر في الأمر مرة أو مرتين، بل فكر ثلاث مرات حتى تلم بالجوانب المختلفة للموضوع.

كما ذُكر في الكتاب المقدس بسفر نحميا إصحاح 8 آية 8 أهمية التفكر في المعنى وليس فقط القراءة العمياء للأسفار «قَرَأُوا فِي السِّفْرِ، فِي شَرِيعَةِ اللهِ، بِبَيَانٍ، وَفَسَّرُوا الْمَعْنَى، وَأَفْهَمُوهُمُ الْقِرَاءَةَ»؛ إذ لم يكتفوا بالقراءة، بل لجأوا للقراءة ببيان والتفسير والفهم.

فهل بإمكاننا اليوم أن ننظر إلى القضايا التكنولوجية الحديثة المحرمة بوجهة نظر مختلفة؟ فما ضرر الاستنساخ على سبيل المثال؟ إنه ثورة علمية تزيد من مواردنا النباتية، والحيوانية، والبشرية إن أردنا، فإن مات عالم يعمل على بحثٍ ينفع البشرية، فما الضرر من إعادة وجود عقله في الحياة كي ينهي بحثه كما يريد؟

وهل لنا أن ننظر إلى الإجهاض أنه رحمة للجنين أن يموت قبل موعده حتى لا يموت نفسيًّا إن وُلِد ووالداه يرفضان وجوده؟ أو أن يُضحي بحياته – التي لم تبدأ بعد- كي لا تموت الأسرة جوعًا لعدم قدرتها على الإنفاق على الرضيع؟ هل باستطاعتك التفكير في تلك القضية بدون السكوت أمام عبارة «إن قتل النفس خطيئة»؟

وهل نقبل موت الدماغ أنه دليل على موت النفس؟

وهل نقبل نقاش نظرية داروين عن تطور الخليقة وعدم عدها مؤامرة الملحدين لتشتت الإيمان؟

سمعتُ من فترة شيخًا يؤكد أن «ماء الشطاف» يفسد الصيام في رمضان، وأنا بطبعي أستمتع بالتعرف إلى الآراء المتباينة وأناقشها، لكن حقًّا هل الله سيترك جهادك في رمضان ومحاولاتك للتقرب منه ولن يقبل صيامك لأنك استخدمت ماء الشطاف؟ هل الهدف من الصيام إذلال الجسد، أم هدفه ترك الطعام لتعويد النفس على ترك الشهوات وزيادة الروحانيات؟

هل لنا أن نستعمل عقولنا في الدين والتدين؟ فالمجتمع المتدين بطبعه قد يقتل التفكير الناقد، ويعطي الفرصة للتلاعب بعقول المجتمع بل تدخل الدين في السياسة. فكم هي ناضجة تلك المجتمعات التي تجمع بين الروحانيات والعقليات! أما المجتمع المتدين وكفى فهو ليس المدينة الفاضلة «يوتوبيا» التي أحبها أفلاطون، وإنما هو – على حق- «يوتوبيا عمياء».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات