أصدر مفكرون غربيون كثر موقفًا حاسمًا من قضية موضعة الدين في موقع المانع المحصن للشرق الأوسط من ولوج عصر الدمقرطة والتحول السياسي، وتصاعد السجال في العقد الأخير من القرن الماضي بين مؤيد ومعارض لفكرة التصنيف على أساس ثقافي وما يعكسه من امتداد عرقي مبطن، لاحقًا، انزلقت النخب العربية تحديدًا إلى مساحة الدفاع عن الدين وتبرير الحصنة الديكتاتورية في الشرق الأوسط أو محاولة ضرب قواعد الفكر الغربي من خلال البحث في مساحات التبعية وتنميط الحضارة غربيا وتكبيل الشرق بمساحة تاريخية وثقافية إشكالية.

كان صامويل هانتنغتون من أبرز من ضرب خلف خطوط الدين بشكل تفصيلي، فاعتبر الكاثوليكية حافزًا للتحول الديمقراطي فيما أسماه الموجة الديمقراطية الثالثة في آسيا وأوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، فيما اعتبر الإسلام فكرًا وتركيبة ومضمونًا عائقًا بوجه التحول، إلى جانب الثقافة الكنفوشية بآسيا والأورثودكسية الممتزجة بالإرث الإسلامي في مساحات من آسيا الوسطى وأوروبا الشرقية.

قولب هانتنغتون الإسلام كما غيره من تابعيه الملهمين بنظرية الحداثة بقالب جامد واحد استمد أدلته من بعض النصوص الأصيلة المنتقاة، لكنه بالوقت ذاته ميز الكنفوشية في اليابان التي سمحت بمساحة ديمقراطية عن تلك المنتشرة في الصين ونطاقها الجيوسياسي، لكن الأهم أن الديمقراطية اكتسحت لاحقًا المساحات الكنفوشية الإسلامية المختطلة كما في إندونيسيا نهاية القرن الماضي، قبل أن يمتد الحراك الثوري المحفز للتحول الديمقراطي إلى عمق المساحة الحصينة في الوطن العربي، وتحديدًا مصر وتونس القابعتان تحت قبضة سلطوية جبارة في منظومتين مركبتين تجمعان سطوة الحاكم الفرد بالأجهزة البوليسية العميقة والجيش.

عادة ما يخرج الناس للشارع بمطالب محددة ترتبط بالكرامة والحرية والمساواة الاقتصادية والاجتماعية، وهنا تعود دراسات ما بعد الثورات لتحاكم نجاح التحول السياسي من فشله بناء على قائمة المطالب الأصيلة، التي تتدحرج عادة وتتعاظم في ظل عناد الديكتاتوريات، لكن الدين لم يكن يومًا ضمن مساحة المطالب الثورية بقدر ما التحق بتفاعلات ما بعد الثورة في ظل النقاش على شكل النظام السياسي وتركيبته وتفاعلاته.

لكن الربيع العربي ضرب الافتراض بأن الدين عامل مستقل مثله مثل السياسات العامة يقابل الديمقراطية، إن ارتفع رتمه هبطت مساحة الحريات والتحولات الديمقراطية، وإن تراجع اتسع الفضاء العام ورحب. فأثبتت الأحداث أن الدين كان مساحة للنقاش والتفاعل مثله مثل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والحريات، فهو إذن جزء من المنافع العامة والحقوق الاجتماعية- السياسية.

وأكثر من ذلك، اعتمدت الأنظمة المخلوعة في مصر وتونس تحديدًًا على تضخيم الفاعل الديني واستثمار موجة محاربة الإرهاب بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 لاستجداء شرعية خارجية تطيل عمر النظام، فشكلت الأجهزة البوليسية للدولة السلطوية أذرعًا ضاربة ترتبط باللاعبين الدوليين وتقايض كبح الإرهاب وضربه مقابل المكوث لسنوات أكثر في الحكم. ولم يكن للدين دور في حماية النظام كداعم شرعي بشكله النصوصي، بل كان أداة تستخدم وقت الحاجة.

تطورت علاقة نظام مبارك مع الدين ممثلًا في المؤسستين الدينيتين الأبرز بالبلاد، الأزهر ووزارة الأوقاف، وفق الحاجة وبناء على التفاعلات السياسية المحيطة، فبعد أن أصبح لرئيس البلاد السلطة بالتلاعب بالتعيينات العليا في المؤسسات الدينية تحولت إلى جزء من النظام بشكل مطلق؛ وبالتالي لا تختلف المؤسسة الدينية المدجنة التي تلاعبت بالنصوص والاجتهادات الدينية بشكل انتقائي لصالح النظام عن الجيش والأجهزة البوليسية الداعمة لمبارك. فعلى سبيل المثال، استجلب الرئيس المخلوع شرعية المشاركة في حرب الخليج الثانية من الأزهر الذي أعطى للرئيس ولمن أراد من الدول العربية الأخرى الفتوى المناسبة لهذا التدخل، كما أن مبارك أدرك قبل ذلك أهمية ملامسة المشاعر الدينية ونشر المنابر المدجنة لخدمة نظامه، فبني في عهده، وتحديدُا في عقده الأول في الحكم، أعداد مساجد تفوق ما بناه أسلافه من الحكام، انتشرت تحديدًا في أحزمة الفقر.

أما في تونس فقد أطلقت مؤسسات الدولة حالة قمعية مبكرة بوجه حزب النهضة الإسلامي بعد خداعه من قبل بن علي، فانتقلت سياسة الحزب تحت التغرير من حالته الدعوية إلى شكل سياسي ما لبث أن قمع وشتت قادته في المنافي مستخدمًا ذريعة درجت عليها الأنظمة العربية، وهي محاولة الاغتيال والانقلاب وضرب نظام الحكم، قبل أن ترجع النهضة بشكل بدا متماسكا على قاعدة الأيدلوجية بعد الثورة، لم يكتف بن علي بذلك بل ضخم الحالة الإسلاموية المتطرفة وروج لنفسه كمدافع عن الحريات بمواجهة التطرف، وشكل قوة نخبة متخصصة بمكافحة الإرهاب بإشراف وإدارة أمريكية.

أفرز التحول السياسي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نماذج متباعدة حد التناقض في مخرجاتها بدءًا من الثورة الإيرانية التي تحولت لاحقًا لإسلامية، مرورًا بالثورتين التونسية والمصرية، وليس انتهاء بإفرازات الربيع العربي في دول مثل المغرب والسعودية.

النموذج الإيراني حمل في البدء دورًا هائلًا للملالي وكاريزما الخميني في إيقاد شعلة الثورة والتحريك الاجتماعي- السياسي حتى إسقاط الشاه، شكل انعطافة ثيوقراطية بالإقصاء وضرب الآخر الذي كان جزءً من التحالف الثوري الإسلامي- الليبرالي، لكن سر هذا التحول كمن في وجود قوة دينية منظمة بقيادة جذابة وشعبوية، وانهيار نظام ترك فراغًا بحاجة للملء سياسيًا؛ ما دفع القوة الدينية للانقضاض على السلطة وإعادة انتاج السلطوية الفردية الملكية بشكل ديني جديد، السؤال هنا: هل كانت الثورة ستفرز ذات المخرجات لو حضرت قوة موازنة بذات المستوى من التنظيم والقدرة على التعبئة، كالجيش مثلًا؟ وبماذا اختلف دور المؤسسة الدينية المبكر في التحفيز الثوري عن الكنيسة الكاثوليكية في أمريكا اللاتينية وآسيا؟ وهنا نجد أن الدين تحول إلى أداة استخدمها النظام لإنتاج شرعية متينة خاصة في ظل الثورة الفكرية الشيعية المتمثلة بولاية الفقيه التي أنتجت قيادة كاريزماتيه بدرجة ما من القداسة.

الحالة المصرية أيضًا أظهرت تناقضًا مع الحالة التونسية في الفعل والجدة والتفاعل الثوري، ففي مصر ظهرت تجليات الدين في سلوكيات مؤسسات ثلاث: الأزهر المهادن للنظام والمدافع عنه كجزء لا يتجزأ منه، والإخوان كحزب دعوي برع في الاستقطاب مستثمرًا ترهل الدولة اجتماعيًا واقتصاديًا وشكل شبكة تغلغلت بين الفقراء، وتحفظ قادة الإخوان في الأيام الأولى للثورة قبل أن ينخرطوا بالثورة مقاتلين حتى سقوط النظام، والسلفية التي كانت الشكل المحبب للنظام لتسويق الجماعات الدينية، فكانت جماعة مهادنة لم ترغب بالخروج على الحاكم، لكنها أجادت التلون والتحول وتلقت دعمًا ماليًا خارجيًا سمح لها باستثمار الفراغ لاحقًا.

إذن أي من هذه الأشكال للدين كان معوقًا للتحول الديمقراطي؟ وكيف لجماعة متضررة من وجود النظام أن ترفض تغييره، خاصة وأنها الأكثر جاهزية لخلافته على كرسي الحكم؟ ففي مصر كانت الجماعات والمؤسسات وأشكال الدين التي أنتجها النظام أو دجنها مدافعة عنه ومناهضة لسقوطه، أما الأطراف الدينية القابعة على الهامش فكان حالها حال القوى الشبابية والليبرالية المشتركة بالظل.

سقوط النظام بجهد عام كان مبهرًا، لكن الثورة أغفلت كبرى عوراتها، وهي غياب التحالف الثوري والانكفاء المبكر عن الشارع، ما ترك الفضاء العام للقوى المنظمة، وهي الإخوان كقوة دينية سياسية بشبكة اجتماعية واقتصادية، والجيش الذي استثمر الثورة لنقل نفسه من نطاق النظام إلى منطقة ما فوق النظام، والسلفية المتجمعة بحزب النور والتي استفادت من دعم مالي مهول لسد الفراغ الذي تركته الأحزاب الديكورية المترهلة في الفضاء العام.

سلوك الثقلين الدينيين السياسيين هنا مختلف تمامًا حد التضارب، وبالرغم من التحالف بين الجيش والإخوان بدءًا، والتناقض لاحقًا بإعادة رسم الاصطفافات بعد وصول رئيس اسلامي إلى سدة الحكم، إلا أن الواقع يقول إن الدولة ببيروقراطيتها وجيشها وتجمعها الليبرالي المضلل والمضلل لم تسمح لنا برؤية تجربة ديمقراطية قد ترسخ إن تم التعامل مع سذاجة الحرية والعدالة والرئيس الإسلامي بحكمة وحنكة، فاستعاد الجيش ديكتاتوريته وأنهى وجود الإسلام السياسي في مصر بشكل تام، وأعاد تلميع مؤسسة الأزهر لتستعيد دورها المرتبك والمربك.

في تونس استطاع الإسلام السياسي قراءة السقوط لنظيره المصري مبكرًا، وقاد منظر النهضة راشد العنوشي عملية التحول السياسي في دولة راسخة العلمانية بشكل ملفت وذكي، واليوم وبعد سنوات من سقوط بن علي، تشكل تونس نموذجًا جاذبًا في التحول السياسي الناجح، بالرغم من أمراض ما بعد الثورات اجتماعيًا واقتصاديًا.

في المغرب أيضًا شكل الربيع العربي فرصة لإظهار نموذج متطور ومتصاعد للمشاركة السياسية للإسلام السياسي في العملية الديمقراطية بشكلها الذي أفرزته التعديلات الدستورية، فقاد حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحكومة في المملكة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وانخرط في المثاقفة الديمقراطية على قواعد صناديق الاقتراع تحت سقف الملكية، وبالرغم من وجود بيروقراطية راسخة ودولة متجذرة بمؤسساتها ومعوقاتها، إلا أن الحزب تعامل معها لسنوات، مؤخرًا أيضًا احترم حزب العدالة والتنمية إعفاء بن كيران من مهمة تشكيل حكومة جديدة تأكيد على التزامه بالسقف السياسي الديمقراطي التعددي.

من هنا، ربما من الأفضل إعادة مركزة الدين بحثيًا بعيدًا عن مساحة الفعل المستقل المانع للتحول الديمقراطي، فالسياق الاجتماعي – السياسي- الاقتصادي ينتج نماذج مركبة من السلوك الديني- السياسي في كل دولة بشكل مستقل يعكس تفاعلاتها وتراكيبها المعقدة الى جانب مراحل نمو الدولة وعمرها، فالدين متفاعل مؤثر ومتأثر بشكل تراكمي، وليس قالبًا جامدًا يحمل السنية والشيعية، السلفية والوهابية والصوفية، داعش والنهضة وغيرها من المتناقضات، لكن بكل تأكيد في الإسلام مساحة واسعة يمكن استثمارها كرافعة للفعل والتحول الديمقراطي إن استثمرت جيدًا.

ختامًا، لا تنحصر الديمقراطية في ممارسة الاختيار عبر الصناديق واختيار الممثلين بشكل مباشر أو غير مباشر فيما يعرف بالليبرالية الدستورية، بل هي منظومة قيمية متكاملة تتداخل فيها الفضاءات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بما يكسر قواعد التنظيم في النطاقات المذكورة ويطلق مشروعًا متكاملًا، وهذا ما صلح في دول ذات أغلبية ديموغرافية مسلمة كإندونيسيا وتونس وتركيا، فهي تجارب أخرجت الدين من نطاق الجدل حول الديمقراطية من عدمها وحولته إلى مساحة إضافية للنقاش حول التفاصيل.

*أعد هذا المقال بدعم من صندوق الصحافة- مركز الأبحاث في الشؤون الدينية والدولية

**صحفي وباحث في قضايا النظم السياسية والتحول الديمقراطي- جامعة الملايا- كوالالمبور

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد