على الرغم من التقدم المعرفي الذي جاء به القرآن، والذي ما زال يسم كلماته بصفته كلامًا (مقدسًا إنساني النزعة) حيث يبطل أي حل سحري، وأي فكرة وصائية مهما كانت دوافعها نبيلة، ومع جلاء هذه الفكرة إلا أن البعض ما زال يحاول تشويه الإسلام بجهله أو بحقده…

 

الحروب في الإسلام:

لا حروب في الإسلام من أجل العصبية الدينية (لا إكراه في الدين)، (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، ولا مكان في الضمير القرآني لحروب التشفي والانتقام (ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا)، ولا شرعية لحروب التدمير والفتح والتوسع والاستعلاء (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا).

وحارب الإسلام حروب التنافس بين الأمم في مجال الضخامة والفخامة (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة)…

على الرغم من هذا النفس القرآني الذي يبين مقاصد القتال في الإسلام إلا أن التاريخ المثقل بالتسييس، ما زال مسيطرًا، وما زال البعض يصر على ربط خيله في روما، وعلى ترديد أحاديث تسيء للإسلام وللنبي الكريم.

 

أحاديث وقتية وغير صالحة المفعول

ومن تلك الأحاديث التي أخرجت من سياقها (جئتكم بالذبح).

مقولة وردت في كتب السيرة النبوية في سياق حدث تاريخي، وفي ظل ظروف موضوعية لا يمكن تعميمها ولا القياس عليها، إلا أن هذا النص الذي ورد في السيرة ما زال ساري المفعول عند البعض ممن يجهل أن بعض التشريعات (نبتت وقتية مرتبطة بأسباب عارضة زمنية أو مكانية، ثم لم تلبث أن زالت بزوال تلك الأسباب، كما يحدث في كل تشريع حي في القديم والحديث، ولكن هذه الأعراض الجانبية لا يأبه لها الحكيم، الذي ينظر إلى لب الأشياء وجوهرها، فإن مثل هذه التشريعات الوقتية مثل أوراق الربيع تزين أغصانها حينا ما، ثم تذبل وتعصف بها ريح الخريف ليثبت بدلها في الربيع التالي ما هو أبهى وأجمل، والشجرة باقية على حالها، ترسخ أصولها وتمتد فروعها وتتابع نموها، غير مبالية بتبديل الأوراق على جوانبها، ذلك تأويل قوله سبحانه “ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها” فالتشريع الموقوت متى استنفذ أغراضه بدل بما هو خير منه.

والتشريع الصالح لأن ينسأ في أجله وأن يمد في عمره يعاد ممثله في العهد الجديد، إذا كان قد نسي في فترة من الفترات) ص 31 زاد المسلم الإمام محمد عبد الله دراز.

 

حديث جئتكم بالذبح تصحيح التحريف:

إن حديث (جئتكم بالذبح) أخرجه الإمام أحمد (7036) وابن حبان (6567) والبزار (2479) والبيهقي في دلائل النبوة (2: 275) من حديث محمّد بنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.

قَالَ عُروةُ: قُلْتُ لَهُ: مَا أَكْثَرَ مَا رَأَيْتَ قُرَيْشًا أَصَابَتْ مِنْ رَسُولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فِيمَا كَانَتْ تُظْهِرُ مِنْ عَدَاوَتِهِ؟

قَالَ: حَضَرْتُهُمْ وَقَدْ اجْتَمَعَ أَشْرَافُهُمْ يَوْمًا فِي الْحِجْرِ، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَقَالُوا: مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَبَرْنَا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ قَطُّ سَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَشَتَمَ آبَاءَنَا، وَعَابَ دِينَنَا، وَفَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَبَّ آلِهَتَنَا!

لَقَدْ صَبَرْنَا مِنْهُ عَلَى أَمْرٍ عَظِيمٍ، أَوْ كَمَا قَالُوا!

قَالَ عبدالله بن عمرو: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَأَقْبَلَ يَمْشِي حَتَّى اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ طَائِفًا بِالْبَيْتِ فَلَمَّا أَنْ مَرَّ بِهِمْ؛ غَمَزُوهُ بِبَعْضِ مَا يَقُولُ!

قَالَ عبدالله: فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى!

فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ الثَّانِيَةَ غَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَعَرَفْتُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ مَضَى!

ثُمَّ مَرَّ بِهِمْ الثَّالِثَةَ فَغَمَزُوهُ بِمِثْلِهَا، فَقَالَ تَسْمَعُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ:

أَمَا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِالذَّبْحِ!

فَأَخَذَتْ الْقَوْمَ كَلِمَتُهُ، حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا كَأَنَّمَا عَلَى رَأْسِهِ طَائِرٌ وَاقِعٌ! حَتَّى إِنَّ أَشَدَّهُمْ فِيهِ وَصَاةً قَبْلَ ذَلِكَ؛ لَيَرْفَؤُهُ بِأَحْسَنِ مَا يَجِدُ مِنْ الْقَوْلِ! حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ: انْصَرِفْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، انْصَرِفْ رَاشِدًا، فَوَاللَّهِ مَا كُنْتَ جَهُولًا!) الحديث.

يقول د. عداب الحمش أحد علماء الحديث:

هذا حديث متّصل الإسناد ما بين ابن إسحاق وعبد الله بن عمرو بن العاص.

لكنّ هذا الحديث وعيدٌ وتهديدٌ من الرسول المعظّم لمشركي قريش، الجهّال الذين كانوا يؤذونه بكلامهم القبيح!

حتى عدّ عبد الله بن عمرو بن العاص تلك الواقعة أشدّ ما لقيه من سفهاء قريش!

ومعلومٌ لدى العقلاء أنّ إخلاف الوعيد مكرمة، إذا صدر عن البشر، فأنت إذا غضبت من إنسانٍ، وقلت له في أثناء غضبك: والله لأذبحنّك!

فلو كنت قادرًا فعلًا على ذبحه، ولم تفعل؛ فهي محمدة لك!

وإذا كنت غير قادرٍ على إنفاذ وعيدك؛ فلا يعيّرك أحدٌ؛ لأنّ من المسلّم به لدى الخلقِ أنّ ردود الأفعال، إنما هي جبّلة بشريّة، تأخذ وصف الحال.

فإذا وجد لهذه الحال مؤيّدات تدلّ على شمولها، ودوام عمل الرسول بها؛ كانت تشريعًا، وإلا بقيت واقعةَ حالٍ، لا عموم لها، وهي ردّة فعل غاضبة.

وسيرته العمليّة صلى الله عليه وآله وسلّم مع قريشٍ، ومع غير قريشٍ؛ لم تكن قطعًا بمنهج (جئتكم بالذبح!).

بل إنّ المؤرخين وأصحاب المغازي يُجمعون على أنّه لم يُقتل في الحروب التي خاضها الرسول صلى الله عليه وسلّم ضدّ المشركين طيلةَ عشر سنواتٍ (1000) قتيل من المسلمين وأعدائهم.

ومحدّثو أهل السنّة يروون عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: (أرحم أمّتي بأمّتي أبو بكرٍ) أخرجه أحمد وابن ماجه والترمذيّ وقال: حسن صحيح.

وهذا الأرحم، قُتل في سنتين من خلافته أكثر من ثلاثين ألف نسمة من المسلمين وخصومهم والمرتدّين!

وهذا الحديث ضعيف الإسناد، منكر المتن في نظري، فابن إسحاق على جلالته، إلا أنّ تفرّده بهذه اللفظة دون سائر رواة الحديث، يوجب التوقّف في قبولها.

ويحيى بن عروة بن الزبير؛ رجل لا يعرف بالعلم، وليس له في الكتب التسعة إلا هذا الحديث، وحديثٌ آخر، وهو أيضًا انفرد بهذه اللفظة عن سائر الرواة عن أبيه عروة، وهم واحدٌ وستّون راويًا في الكتب التسعة فقط.

والتفرّد إنما يقبلُ من الثقة الحافظ!

أمّا إذا تفرّد الصدوقُ، ومجهول الحال، بحديث؛ فيعدّ حديثه منكرًا، كما هو حال حديثنا هذا.

وقد نصّ على هذا الذهبيّ في النبلاء والميزان، وابن حجر في التهذيب واللسان وفتح الباري والنكت على ابن الصلاح.

فأنْ يُردّ هذا الحديثُ، وهو للردّ أهلٌ؛ خيرٌ من الإساءة إلى خلق الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)- (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).

د. علاء الدين آل رشي.

مدير العلاقات العامة في المركز التعليمي لحقوق الإنسان .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد