من الذي يتوجب عليه تصدر الخطاب الإلهي؟

أكثر الناس قدرة على بيان عظمة الله للناس هم الأطباء، والفيزيائيون، والكيميائيون، والمهندسون، والرياضيون، والجغرافيون، والجولوجيون، والفلاسفة، وغيرهم من رجال العلوم الأخرى الثمينة، ذلك إذا فقهوا وطوعوا علومهم لفهم رواية الوجود كلها، وليس فقط من أجل الحصول على وظيفة يكسبون من خلالها المال؛ لأنَّ الصانع لا يُعرف إلا من خلال صنعته، لو سألتكم ما رأيكم بخبراء شركة مرسيدس؟ لجاوبتم على الفور أنهم من أذكى الناس وأمهرهم، مع أنكم لا تعرفون اسم ولا مهندس من مهندسي هذه الشركة، ولم تقابلوهم في حياتكم كلها، ولكنكم جميعًا تشهدون بحرفيتهم العالية، والسبب في هذه الشهادة هو سيارة المرسيدس التي ترونها أمام أعينكم، إنَّ عظمة الصنعة يا سادة تدل على عظمة الصانع، بالتالي هؤلاء هم الفئة الوحيدة القادرة على شرح الإعجاز الرهيب الموجود في هذا الكون بطريقة سلسة ومبسطة لجميع الناس، مثلًا يعيش على غرام واحد من التربة أكثر من 40 مليون من البكتيريا، أي يعيش على غرام واحد مخلوقات أكثر من عدد سكان بلاد الشام مجتمعين.

غرام واحد يعد بالنسبة إلى البكتيريا بلدًا شاسع المساحات، ويعد جسد الإنسان موطنًا لأكثر من 300 مليون مخلوق من بكتيريا، وفطريات، وعناكب تعيش على سطحه وتتغذى عليه، أما الدماغ البشري فهو عبارة عن آلة لا ترتاح أبدًا تعمل في الليل والنهار، تربط الماضي بالحاضر، تفكر في حل المشكلات المستعصية حتى وأنت نائم، بالإضافة إلى أنه يسيطر على الجسم البشري من أصغر خلية إلى أكبر عضو من خلال العشرات من مليارات الخلايا العصبية التي يحويها، هل تعلم أنَّ التخابرات الكلية التي تجريها خلايا الدماغ خلال لحظة واحدة، يبلغ مئات أضعاف ما يجريه كل سكان الكرة الأرضية من اتصالات بكافة وسائلها، بريد، هواتف، إنترنت، كلام… إلخ، يمكن تشبيه الدماغ بدولة كبيرة جدًّا قائمة بذاتها، وتمتد مساحتها على كامل الكرة الأرضية، وعدد سكانها يتجاوز العشرات من مليارات البشر، ومربوطة بواسطة شبكة حاسوبية ضخمة جدًّا، لديها القدرة على إدارة ملايين المليارات من المعلومات ومعالجتها خلال زمن قدره واحد من 100 مليار جزء من الثانية.

ولا يتوقف الأمر على ذلك، بل القدرة على اختيار قرار واحد من بين ملايين القرارات خلال هذا الزمن المرعب في صغره، وقد شُبه الأمر بسيارة تسير بسرعة عالية جدًّا ثم في لحظة ما تصل إلى مفترق طرق يحوي ملايين التفرعات، وعلى السائق أن يختار فورًا ودون تفكير طريقًا واحدًا من بين ملايين الخيارات، فالثانية بالنسبة للدماغ عبارة عن دهر طويل، أنت حتى تعد للرقم 100 مليار تحتاج إلى 600 سنة، أما الدماغ فيتبادل مع بقية الخلايا الملايين من مليارات المعلومات المعقدة، فضلًا عن معالجتها خلال لحظات زمنية مفرطة في صغرها، وكل هذا مجرد غيض من فيض، فلا تتسع ملايين الكتب للحديث عن عظمة هذا الوجود، فما بالكم لو دمج لنا أهل الاختصاص هذه المعلومات مع فلسفتهم الخاصة، ثم ربطوها بالصانع، ثم نقلوها إلينا، يا ترى كيف ستنظر الناس إلى هذا الإله؟! فهذه العلوم ليست علومًا دنيوية كما يدعي رجال الدين، بل إنها علوم إلهية؛ لأن الله لم يخلق العالم بالسحر والشعوذة، وإنما ضمن قوانين علمية غاية في التعقيد، فالله هو الفيزيائي، والكيميائي، والرياضي، والمهندس، والطبيب، والرسام المطلق، واجتماع هذه العلوم سوية يمكن أن يعطينا فكرة عن الطريقة التي يفكر بها هذا الإله.

 

إذن لماذا يكفر رجال الدين الفلاسفة ومن لف لفهم؟

لو أتينا إلى رجال الدين، فإن هؤلاء لا تأخذ منهم إلا الفكر التقليدي، الذي لم يتغير منذ أكثر من ألف سنة، فهم أشبه ما يكون بشريط كاسيت واحد نُسخ إلى أكثر من مليون نسخة ثم وُزع على الناس، بالتالي نحن لدينا فكر واحد منسوخ على ملايين العقول، كما أن أكثرهم رجال فتنة، ودعاة تحريض وسفك دماء، وبسببهم تفرق الناس إلى عشرات الشيع والطوائف، هل سمعتم يومًا أنَّ رجال الفكر والفلاسفة قد كفروا الناس أو دعوا إلى سفك الدماء، أو نشروا خطاب الكراهية بين الناس، أو فرقوهم إلى شيع وطوائف ومذاهب، حتى وصل الحد إلى أن سفكوا دماء بعضهم بعضًا، وإذا لم يفعلوا ذلك فإنهم ينظرون إلى بعضهم نظرة العدو إلى العدو، لم يفعلها الفلاسفة بينما فعلها رجال الدين، ولو تعمقت بالأدبيات التي قامت عليها كل طائفة، واستند إليها كل مذهب، لوجدت أنها أشياء لا تستحق أن يتفرق من أجلها الناس أو يتحزبوا إلى فرق وطوائف، حتى بالفقه، والذي هو ملعبهم، لم يفلح الكثير منهم.

وهناك الكثير من الآراء الفقهية – لا مجال لذكرها هنا- لا يمكن أن نمنح من استنبطها لقب الفقيه أبدًا، ناهيك عن دخول الكثير منهم في ميدان السياسة، وتحزبهم مع السلاطين في كل زمان ومكان، لذلك غالبًا ما يُصنَّف الفلاسفة الإلهيون على أنَّهم ملاحدة أو كفار أو من أهل السفسطة والضلال، ولا يعلم رجال الدين أنَّهم يحتاجون إلى سنين طويلة لكي يصلوا إلى عُشر ما وصل إليه هؤلاء من النور والفكر الإلهي العميق، والقضية ليست غيرة على الدين كما يدعون، بقدر ما هي قضية حسد من أولئك الذين تفوقوا عليهم بالعلم، والفكر، والذكاء، والحجة، والمنطق، وكم من هؤلاء المظلومين قد قُتِل أو عُذِّبَ عذابًا شديدًا، أو حُرّقت كتبه بسبب تحريض هؤلاء، وهو حسد شبيه بحسد أهل الكتاب عندما نزلت النبوة على رجل ليس من ملتهم «وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِير»، مع أنهم أهل كتاب أي أهل إيمان بالإله ومع ذلك تمنوا الكفر لغيرهم، وكذلك رجال الدين لم يكتفوا بتمني الكفر لهؤلاء، بل كفروهم صراحة على الملأ لعل ذلك يُطفئ نار الحقد والحسد التي تغلي في صدورهم، ثم بدأوا بتحريض النَّاس عليهم في الليل والنهار، وحذروهم من الاستماع إليهم وما أشبههم بذلك بكفار قريش عندما قالوا: «… لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُون».

يقول الشَّاعر:
إِنْ كُنْتَ تَفْقَهُ يَا هَذَا الْفَقِيهُ فَلِمَ … تَلحُو فَلاسِفَةً دَانُو بأَفْكَارِ
هُمْ يَبْحَثُونَ عَنِ الْبَارِي وَصَنْعَتِهِ … وأنْتَ تبْحَثُ عَنْ حَيْضٍ وَأقْذَارِ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد