تعاقبت على الوطن العربي الإسلامي أنماط متعددة لتدبير الالتباس الحاصل فيما بين الدين والسياسة، وليس من شك في أن الامتداد الزمني لهذا السجال أبان على أن الثابت في هذه الأنماط، سواء انطلقنا من الدراسات النظرية أو انشغلنا بما تحقق على أرض الواقع، لم يحد عن الأشكال التالية: التماهي بين الدين والسياسة، الفصل بين الدين والسياسة، ثم المحايدة بين الدين السياسة.

وغني عن البيان الأهمية الفائقة التي يوليها رجال ونساء الفكر للموضوع؛ مبتدعين ومنظرين لمقولات سمحت بمحاولة ترشيد هذه العلاقة وفض التداخل الهجين فيما بين الدين والسياسة الذي يعد وجهًا أساسيًا لأزمة السياسة في الوطن العربي. وعلى عكس القراءات المتواترة للدين والسياسة في الوطن العربي، يتناول طه عبد الرحمن قراءة تبدو أقرب للطوبى، بالنسبة لمن لم يواكب مشروعه، وكأنه يرى في قراءته هذه وجه «فردانية الفيلسوف» كما أوردها المفكر عبد الله العروي في كتابه «مفهوم الدولة»، بيد أن الفصل في الادعاءات القائمة والمتوقعة يقتضي منا خلال المقال التالي زحزحة المفاهيم المألوفة وإكسابها مضامين مغايرة كما وضعها فيلسوفنا بما يمكننا من إبراز القوة النظرية التي يملكها مشروعه.

ينطلق طه عبد الرحمن في مشروعه باحثًا عن حل لأزمة العلاقة بين الدين والسياسة تحت مسمى الائتمانية، إذ لم يكن ثمة – حينها – ما يساعد هذا المشروع على الكينونة سوى اتساع دائرة النقاش والتنظير حوله، لذلك فإن صاحب «ثغور المرابطة» لم يبرح كما عودنا على تحدي المسلمات المقررة والاعتقادات المترسِّخة في الفكر والأذهان، وقد تبيًّنت ملامح هذا التحدي لحظة إقراره بأن الدين والسياسة تجمعهما علاقة وجودية وأنهما عالمان متقابلان لا منفصلين ولا متواصلين، متوسلًا بمسلمة تقوم على اعتبار أن الإنسان يحيا في عالمين اثنين، لا واحد، أحدهما عالم مرئي ينوجد فيه بحسه وجسده، والثاني عالم غيبي يتواجد فيه بروحه، بما يشكل العالم المرئي مجال السياسة والعالم الغيبي مجال الدين، فيكون الدين عبارة عن تنزيل يجعل العالم الغيبي مشاهدًا في العالم المرئي تحت عنوان «التشهيد»، وتكون السياسة عبارة عن تنزيل يجعل العالم المرئي متواريًا في العالم الغيبي لما يسميه بـ«التغييب».

على هذا التقسيم يسترسل طه عبد الرحمن للإقرار بمقدار إمكانية تحصيل الفاعل الديني رؤية العالم الغيبي في العالم المرئي بواسطة فطرته، التي حسبه، تنزله منزلة سابقة على وجوده المرئي، إذ تحتفظ هذه الذاكرة بمعان وأفعال تحدد الغاية من وجوده، التي هي التعبد لله وحده بما تكسبه هذه العبادة من قيم قصدية، أخلاقية وكمالية، بفضل مبدأ التفاضل والتكامل. عكس مبدأ النسبة فيما يخص الفاعل السياسي، إذ القدرة على تصعيد العالم المرئي إلى مرتبة العالم الغيبي حسب هذا المبدأ تسقط الفاعل السياسي وتوغله في نسبة الأشياء إلى نفسه والتسود على غيره في شكل يجعله يتوق إلى الجبر والقهر كي يبث في نفوس المحكومين من حب الخوف ما لا يضاهيه قدرًا إلا حبه للتسود، زد على ذلك لما يتيحه العمل السياسي من أشكال العنف والتنازع المبنية على الشهوة والقوة.

نحن إذًا أمام تفسير مختلف عما ألفناه لتدبير العلاقة بين الدين والسياسة، تفسير يقوم على التفلسف من داخل المرجعية الإسلامية يحيل وينهل منها في قالب تقويمي لا تحقيقي، وهذا ما علمتنا إياه الفلسفة تتدخل في كل شيء تحت مشروعية العقل، الاستدلال والتقويم. وليس من شك في أن الفصل والوصل بين الدين والسياسة في جملة الاعتراضات لتقويم هذه العلاقة في مشروع طه عبد الرحمن، حيث لا وجود لما يبررهما، بل إنه يدحض أطروحتهما وينتقدهما أشد اعتراض لسببين:

أولهما: يرى في الدعوة إلى  الفصل فيما بين الدين والسياسة، أي الدعوة العلمانية اختلالات شنيعة تضيق على الوجود الإنساني وتقطع الصلة بين العالم المرئي والغيبي، بما تفسح المجال إلى تحييد العمل الديني بحجة عدم تدخله في المجال العام، فيطغى على العمل السياسي عنصر التغييب، الذي لا يتوانى في البحث عن أسباب التسلط، التجبر والتسيد على البشر، حيث يجنح الفاعل السياسي إلى تقمص الصفات الإلهية بما تخول له النزوع إلى تعبيد الخاضعين له من مواطنين يحملهم على طاعته في قراراته وقيادتهم وفق هواه في صورة البذل والتفاني في خدمتهم، بينما الباعث الذي يحركه إنما هو طلب التسود عليهم وحب الرئاسة.

ثانيهما: يؤاخذ فيه على أصحاب الوصل فيما بين الدين والسياسة في صورتيه على السواء؛ الصورة القائمة على دمج الدولة للدين في السياسة، إذ يرى في لجوء أصحاب هذا الرأي إلى الدمج، ليس إلا لخدمة أغراضهم التسيدية في شكل تسييس الدين، حيث يتمسكون بما يخدم أهدافهم التسلطية من تجليات التعبد، وتقصي، باسم التعبد نفسه، كل ما لا يخدم هذه الأغراض، مؤولين النصوص الدينية على هواهم ومصدرين فتاوى على مقاسهم. بينما يميل أصحاب واقعة تديين السياسة، إلى تقليد آليات التدبير العلماني الذي تعد في الأصل أدوات سيادية لا تعبدبة، يرى من خلالها أنهم جنحوا إليها بشكل مقصود أحيانا لدفع تهمة التطرف والمشاركة في السلطة، وأحيانًا بشكل غير مقصود، تأثرا بأساليب الممارسة السياسية التي تسود في مجتمعاتهم؛ وتجلى تقليدهم هذا في بعض الشعارات التي رفعوها في نضالاتهم ورسخوها في كتاباتهم، والتي تفصل بين الدين والدولة كما تفصل بينهما العلمانية مثل «الإسلام دين ودولة» و«الدولة الإسلامية دولة مدنية».

لا تقف جِدَّة مشروع طه عبد الرحمن عند حدود بيان قصور الفهم والتِّيه الفكري الذي حصل لأصحاب الفصل والوصل فيما بين الدين والسياسة، أو إبراز الخلط والالتباس الذي سقطوا فيه فحسب، بل تجاوز ذلك إلى إعادة بناء هذه العلاقة بما يسمح من نسج ارتباط يتنزل رتبة سابقة على الفصل والوصل يسميها رتبة «الوحدة الأصلية»، تسمح بفك التسيد عن تدبير الشؤون العامة والعلاقات الإنسانية، فالعمل السياسي بما هو عمل تسيدي يراد منه التخلص من آفة التسيد، بالتوسل إلى العمل الديني لممارسة التشهيد لما يحمله من رغبة تبتغي التدرج بروح الإنسان إلى مرحلة التقوى بواسطة العمل «التزكوي»، إذ يصبح هذا الأخير قادرًا على أن ينتزع من نفس الفرد حب السيادة في التدبير السياسي ويستبدله بتدبير مبني على الأخلاق والقيم بما تورثه من حب الإيمان ووازع الحياء، ونحسب جملة هذه المكاسب المستمدة من العمل «التزكوي» مما لا يمكن أن ينزوي عما يسميه «بالإزعاج» وهو عبارة عن نقل حال أدنى إلى حال أعلى، بمعنى المراد هنا بالإزعاج اقتران مجال التدبير بالتعبد لله وما يندرج فيه من معاني الحق والعدل دفعًا للتسود بأنواعه الثلاثة: الجلي، والخفي، والأخفى، حتى يتحقق صلاح المجتمع.

إذا أخذنا رتبة «الوحدة الأصلية» سنكتشف أنها دعوى تنبني على تحرير المدبِّر من التعبد لذاته وهواه، لتحصيل التدبير «الائتماني» – أو قل الائتمانية – التي تقترن بإسقاط أعمال التشهيد داخل كنف التدبير، حيث لا فصل ولا وصل بين التعبد والتدبير (الدين – السياسة) إذ تتمثل أعمال التشهيد التي منشؤها العالم الغيبي قبول تحمل الإنسان الأمانة بشكل لا يجعله متسودًا، وإنما مستودعًا لا ينفك يرعى حقوق الوديعة، لا منفصلًا عن المودع الإلهي، وإنما متصلًا به، لا يبرح يأتي أعمال التزكية، حتى إذا أتى تدبيره المرئي كان في الآن نفسه آتيًا لتعبد غيبي.

إذا كان ثمة ما يحتاج إلى نقد، في تدبير العلاقة بين الدين والسياسة داخل الوطن العربي الإسلامي، فقد تناوله طه عبد الرحمن على وجه الكمال وفق منهج فلسفي إسلامي متماسك، بشكل متعقِّل ورصين انبنى على مقدمات نظرية، بدا من خلالها أن محاولة التفسير التي قدمها المدافعون عن الوصل والفصل تحتاج إلى مصالحة، لأنها تأسست وفق سياق اندفاعي مشحون بالأيديولوجيا يفتقر للوظائف المعرفية، لأجل ذلك يبسط مشروعه هذا لتصحيح الخطأ التاريخي لهذا الالتباس مؤمنًا بأن تنزيله على الواقع أمرًا ممكنًا يفرض نفسه علينا، جازمًا بالائتمانية كحقيقة لا وهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد