تحولت فكرة الهجوم على الدين من أساسه بهدف القضاء عليه إلى ما يشبه الهدف الأساسي في كتابات الكثير من الملحدين حول العالم وأبرزهم سام هاريس، وعلى خطاهم بدأ القطاع الأكبر من الملاحدة العرب في نفس الخطوات وتحت نفس الدوافع والغايات. فإلى أي مدى يمكن تقييم تلك الأفكار والكتابات من حيث التأثير على المجتمعات والقدرة على الوصول إلى غايتها؟

كان الدافع الأكبر لهؤلاء الملاحدة هو التأثير الكارثي للأديان على العالم؛ فالكثير من الحروب التي أودت بحياة الملايين كانت باسم الأديان، وحتى الحروب الأهلية التي تعاني منها غالبية المجتمعات متعددة الأديان في مناحي الأرض تبدو كأبرز دليل على هذا التأثير القاتل للأديان. فلماذا لا نقضي عليها؟! ولماذا لا يكون العلم هو الدين الواحد لكل العالم؟

في البداية عندما ننظر إلى مثل تلك الدعوات يجب علينا فورًا مناقشة الدين كعامل غير مرغوب فيه بالنسبة لأصحاب تلك الدعوة، والعلم كبديل للدين. كل من حيث أصله وفكرته وتعريفه من ناحية، ومن حيث تطبيقاته وواقعه من الناحية الأخرى حتى نستطيع الحكم على تلك الدعوة.

الأديان في تعريفها هي عبارة عن مجموعة من الأفكار أو العقائد، ومجموعة من التشريعات أو القوانين التي تتحكم في حياة المؤمنين بها تارة من باب الصواب والخطيئة وتارة أخرى من باب النصح والإرشاد. وقد تتفق الأديان جميعها على وجه الأرض في غاية واحدة مشتركة وهي تدعيم المنظومات الأخلاقية للمجتمعات وحفظ السلام والتفاهم بين الشعوب. وأما من حيث التأثيرات والنتائج فإن أحداث الحادي عشر من سبتمبر والتي راح ضحيتها آلاف المدنيين كانت باسم الإسلام، كذلك مجموعات العنف المسلحة حول العالم تتخذ بطانات دينية، وفي كتب التاريخ كانت مذابح البروتستانت ومحاكم التفتيش كلها باسم الدين. فهل يمكن القول هنا إن المشكلة في الدين نفسه؟! قبل أن نجيب دعونا نضع تعريفًا للعلم، ثم ننظر إليه من نفس المنظار.

العلم في نظر الكثير من العلماء هو منهج معين لاكتشاف كل ما هو جديد، وهو يعني أحيانًا كم المعرفة التي تنجم عما تم الكشف عنه، وقد يعني أيضًا الجديد الذي يمكن أن نقوم به عندما نكتشف شيئًا ما. هكذا وطبقًا لهذا المفهوم تكون غاية العلم هي الوصول بالحياة الإنسانية إلى أعلى درجات التقدم والرفاهية، ويا لها من غاية رائعة حقًّا! لكن ماذا عن واقع التطبيقات العلمية، هل هناك وجوه أخرى للعلم؟

بالنظر إلى هذه القدرة الرائعة للعلم على إنجاز الأشياء الرائعة فإنه للأسف لا يملك أي تعليمات عن كيفية استخدامها، وعما إذا كانت ستستخدم في الخير أو الشر. يقول ريتشارد فاينمان: “إن حصيلة هذه القدرة قد تكون طيبة وقد تكون شريرة، حسب كيفية استعمالها، إننا نفضل الإنتاج المُحسَّن، لكن أمامنا مشاكل الأتْمتة، نسعد بتطوير الطب، ثم يقلقنا عدد المواليد وحقيقة أن أحدًا لا يموت بالأمراض التي قضينا عليها. بنفس معارفنا عن البكتيريا، هناك معامل سرية يعمل فيها رجال بكل قواهم لتطوير بكتيريا لا يتمكن أحد من أن يجد لها علاجًا.

يسعدنا تطوير النقل الجوي وتزهلنا الطائرات العملاقة، لكننا ندرك أيضًا الفظائع المهولة للحرب الجوية، تسعدنا قدرتنا على الاتصال بين الأمم، لكن تقلقنا حقيقة أنه من السهل أن يتطفل علينا الغير. تثيرنا حقيقة أنه من الممكن الآن أن نسبر أغوار الفضاء. حسنًا، ولكننا بلا شك سنواجه مصاعب هناك. أما تطوير الطاقة النووية بمشاكلها وكوارثها واضحة”. ولمزيد من إلقاء الضوء على هذا الجانب من العلم فلنضرب مثلاً قديمًا وهو قضية الجوع حول العالم.

في بداية الثورة الصناعية في أوروبا توقع العلماء أن تنتهي مشكلة الجوع تمامًا خلال قرن أو قرنين بسبب التقدم التكنولوجي العظيم في وسائل الزراعة والإنتاج. لكن بدلاً عن ذلك احتل الجوع بقاعًا أكثر حول العالم، وبدأ يحصد أرواحًا أكثر مما كان يحصده قبل الثورة الصناعية.

يموت بالدول النامية 91 طفلاً من كل ألف قبل بلوغ الخامسة. في كل يوم بالعالم النامي يموت أكثر من 30 ألف طفل لأسباب يمكن الوقاية منها. بسبب الجوع يحصد الموت أرواح أكثر من ستة ملايين طفل. يحرم عالمنا من ملامحهم البريئة، من سزاجتهم واندفاعهم الخالي من الخوف. كل هذا وأرض الله الواسعة تعطي من الطعام ما يكفي كل سكانها، ما يكفيهم جميعًا ويزيد. إن ما تنتجه الأرض من القمح والأرز وبقية الحبوب يمكن أن يوفر لكل فرد على ظهر البسيطة 3500 سعر حراري في اليوم، والحد الأدنى المطلوب هو 2350 سعرًا، كما تقول منظمة الأغذية والزراعة.

لكن هناك بعالمنا 840 مليونًا من الجوعى منهم 799 مليونًا بالعالم الثالث، وهناك بجوارهم بعالمنا أيضًا 1.2 بليون فرد يعانون السمنة! يقول غاندي: “إن بالعالم ما يكفي حاجة الإنسان، لا جشع الإنسان”. هكذا جاء التقدم العلمي والتكنولوجي بعد الثورة الصناعية بعكس تمامًا ما يقول العلماء إنه غاية العلم! هكذا أصبح العلم أداة لقتل الإنسان، ولكن على الرغم من ذلك لا نسمع أحدًا من الناس يدعو للقضاء على المنهج العلمي كما يدعو بعض الماديين بالقضاء على الدين، لماذا إذًا؟!

هل يمنعهم من الدعوة إلى إهمال المنهج العلمي كونه من الناحية البراجماتية/ النفعية سيؤدي بالإنسان إلى العودة إلى أزمان جامع الثمار ويكون الخاسر هو الإنسان؟ فلعمري كذلك الدين، فالدين يمثل لغالبية أهل الأرض المصدر الأول والأهم للأخلاق، فيكون القضاء عليه بمثابة تحويل طائفة من الناس إلى وحوش لا تمتلك أي وازع أخلاقي فيكون الخاسر الأكبر براجماتيًّا هو الإنسان أيضًا! فمن أين يأتي هذا التناقض المنهجي الواضح؟

الآن يمكننا أن نعلم بالتحديد الفارق بين العلم والدين من هذا المنظور، وهل المسألة تتعلق بأصل الدين أو العلم أم بقدر الضوء المسلط على النتائج السلبية لكليهما، وحتى لا نظلم الإعلام فإننا نشير إلى ملحوظة فاينمان بأن الاستخدامات السيئة للعلم غالبًا ما تتم في الظلام! بينما المسيئون للأديان فإنهم يحظون بكل الأضواء في حين أن الفريقين يقومان بنفس الأعمال تقريبًا.

أيضًا من بين تلك الادعاءات التي تبناها الكثير من هؤلاء الملاحدة فكرة أن المعتقدات الدينية لا يمكن اختبارها عمليًّا لذلك فهي ليست حقيقية، ولعل مشكلة هذا الطرح هو اعتماده على قاعدة غارقة في الخطأ وهي أن الحقيقة ليست إلا المشاهدة والتجربة العلمية فقط، وأما ما دون ذلك فهو خرافة وكذب.

وللرد على هذه الفكرة فإننا لنشير إلى البداهة العلمية القائلة بأن المشاهدة والتجربة العلمية ما هي إلا أدوات لتحصيل النتائج العلمية، وليس أكثر من ذلك؛ وأما تحديد ما هو مهم أو حقيقي وما هو غير حقيقي فليس للتجربة والملاحظة أي مجال، يقول ريتشارد فاينمان في إحدى محاضراته: “فإذا ما كان الشيء غير علمي، إذا لم يكن مما يمكن أن يخضع لاختبار الملاحظة، فإن هذا لا يعني أنه ميت أو أنه خطأ أو أنه غبي، إننا لا نحاول أن ندلل بطريقة أو بأخرى على أن العلم طيب وأن ما عداه – بطريقة ما– ليس كذلك”.

فنظرية داروين “التطور” مثلاً لا تقوم في كثير من أسسها على الملاحظة والتجربة، فأصحاب النظرية لم يتمكنوا حتى الآن من أن يجعلونا نشاهد – في معمل- كيف تولد الحياة من مادة لا حياة فيها، كما أنهم لا يثبتوا حتى الآن حقيقة تحول كائن إلى نوع آخر في ضوء النظرية، كما أننا حتى الآن لا نعلم ما هو الحد الفاصل بين تطور نوع ما، وبين تحوله إلى نوع آخر مختلف!

وهنا نصل إلى أن العقل الحديث لا يحصر صفة العلم فيما هو قابل للمشاهدة والتجربة فقط، بل يتسع المجال ليؤكد أن حصولنا على شواهد تثبت قرينة منطقية لصحة دعوى ما؛ كافٍ في الاستدلال بالرغم من عدم التمكن من تجربة الدعوى أو آثارها مباشرة. هكذا يعتبر العلماء نظرية ما أنها حقيقة علمية على الرغم من أنها لا يمكن تجربتها في المعمل، ويفسر لنا البروفسير (ماندير) ذلك للأسباب التالية:

أولاً: هذه النظرية توافق جميع الحقائق العلمية المعروفة.
ثانيًا: في هذه النظرية تفسير لكل الوقائع التي لا يمكن فهمها إلا عن طريقها.
ثالثًا: لم تظهر بعد نظرية تناسب وتوافق الحقائق بهذه الدقة.

ولعلك ستدركين حجم التشابه بين الدين والعلم طبقًا لهذه الشروط، وهو ما يوضحه الفيلسوف الكبير وحيد الدين خان بقوله: “فإذا كانت هذه الأدلة كافية لجعل نظرية الارتقاء حقيقة مقبولة في ضوء مقاييس الاستدلال العلمية، فإن هذه الأدلة موجودة كذلك، في جانب الدين بصورة أشد وأكمل. وفي هذه الحالة يعجز العقل الحديث عن تبرير موقفه من تبنيه لنظرية الارتقاء كحقيقة علمية، وعن تبرير رفضه للدين – باعتبار أنه غير قابل ولو لمجرد البحث العلمي– مع تكافؤ الأدلة بين النظرية الارتقاء والدين كليهما”.

بعد هذه المقارنة البسيطة بين العلم والدين والتي كان الهدف منها هو تسليط الضوء على بعض الحقائق المهملة ووضعها في نصابها الصحيح، الآن يمكننا ومن أرضية موضوعية طرح السؤال الحرج:

هل ما تزال هناك ضرورة بشرية للقضاء على الأديان، أم أن هناك طرقًا يمكن أن تحقق التكامل الغائب لدى إنسان القرن الحالي؟ ذلك التكامل بين ما هو مادي/ حسي وما هو روحي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين, علوم
عرض التعليقات
تحميل المزيد