واجب الوجود واجد الوجود هو الله جل جلاله، كان والكون عدم هو الله لا إله إلا هو، الأحد الصمد، الحي القيوم، لم يلد ولم يولد، لا يحتاج ربي زوجة ولا صاحب وكل الوجود يحتاجه. خالق القوانين – السنن – الكونية لا يخضع لها، ولا تسري عليه.

خالق الزمان والمكان لا يخضع لبداية ولا نهاية، كان الله ولم يكن شيء غيره، ولا تحد ربي جهة ولا اتجاه ولا مكان، وهو منزه عن الأضداد والأنداد. وتعالى ربي عن الأركان والأجزاء والأعضاء والجوارح والأدوات.

كل صفات الإله لا تخضع للتشبيه ولا التجسيم، و ما أشكل على الناس فهمه فيجب فيه التنزيه لمخالفة الحوادث من غير تعطيل ولا نفي ولا كيف ولا تكييف ولا كيفية، ولكن كما يليق بجلال ربوبيته وكمال ألوهيته، قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ 7- آل عمران.

فمرد المتشابه إلى المحكم ولا يجوز تجزئة القرآن في الفهم فنفهم المتشابه بالمحكم. و إن صحيح اعتقاد أهل السنة والجماعة (التفويض أو تأويل- التنزيه) بما يليق بجلال الله تبارك وتعالى، والثاني لا يقدر عليه إلا الراسخون في العلم (أهل العلم).

ويكفي المؤمنين ترك مُراد الله إلى مُراد الله وفق مُراد الله. سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، فكل ما يخطر ببالك عن الله فالله منزه عن ذلك. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ما كان الوجود صدفة فكل شيء فيه تحفة. ثم إن الكون كتاب الله المنظور والقرآن كتاب الله المسطور، وعلى المؤمن أن يجمع بين قراءة الكتابين، و أن يبني إيمانه من خلال القراءة فيهما. فالقرآن هو الحامل للعلم الإلهي الذي يتجلى في حروفه و معانيه. والكون هو المُعبر عن تلك المعاني بصيغة حركية. فالقرآن يعطي ما هو موجود في الكون، والكون يعطي ما هو موجود في القرآن.

يقول الحق عز وجل: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِيخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.

تمزج الآيتان بين آيات الكون- كتاب الله المنظور – وبين الذكر- كتاب الله المسطور- (القرآن)، مزجًا يأسر القلوب والعقول، فتهدينا على أن القراءة في الكتابين يحقق لنا كمال الإيمان به تعالى وبديننا الحنيف، فيصف الله من يتأملون خلق السموات والأرض بأنهم (أولي الألباب) أصحاب العقول الذين يزاوجون بين الذكر الدائم والتفكير الحكيم، فيثبت إيمانهم بالله (ربنا) وأنه الخالق العظيم (خلقت) وأنه هو الحكيم العليم (ما خلقت هذا باطلًا) وأن له كمال التنزيه (سبحانك) وأنهم المؤمنون بما جاء في رسالته (فقنا عذاب النار).

فلا تعارض بين كتاب الله المنظور وبين الكتاب المسطور (والعقل) أداة لفهم كليهما. إن القراءة الأولى أي (قراءة القرآن)، هي قراءة المملوك للكتاب الذي أنزله الملك. والقراءة الثانية أي (قراءة الكون) هي قراءة المملوك للوصول إلى الملك. فطريق الإيمان هو الجمع والوصل بين الذكر والفكر الجمع بين قراءة كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور في قراءة تكاملية واحدة والوصل بينهما

إن الجمع بين القراءتين في قراءة واحدة هو كمال الإيمان، إنه يجعل الإيمان متينًا بسلسلة مفاهيم متكاملة مترابطة العلاقة بين عالم الغيب وعالم الشهادة وبين القرآن والكون.

إن مكتشفات العلم من أكبر الأدلة على وجود الخالق العظيم المدبر المريد العليم؛ ذلك أن الكون بما فيه أُمرنا بالتفكر فيه وفي شؤونه والحق هو اتخاذ العلم وسيلة معرفة تكتمل به معرفة الحق تبارك وتعالى.

قال الحق تبارك وتعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. (الآفاق) الكون، (أنفسهم) الإنسان، فكل ما في الوجود يدل على واجده، كل ما في الوجود آيات لعظمته تبارك وتعالى.

على هذا أقول: إن من يبني إيمانه واعتقاده على تصادم بين الدين والعلم ويجعل من الطبيعة وقوانينها عدوًّا لله خالقها وموجدها حتمًا سيأتيه يوم وتنهار ثقته وإيمانه بأحدهما، ذلك أن معرفة الله والقرب منه تتوقف على العلم به وقراءة ما خلقه في الكون كتابه المنظور وقراءة القرآن كتابه المسطور والتدبر والتفكر بهما، إن اختزال الظواهر الكونية بتفسيرات سابقة كانت هي الأفضل في زمانها لا يجعلنا اتخاذها ضمن ثوابت الإيمان ولا علينا، نحن المؤمنين المأمورين بالتدبر المستمر الحكم المؤبد من خلال تفسيرات سابقة، وليس بالضرورة تركها بالجملة. إن قراءة ثوابت الإيمان (القرآن الكريم والحديث الشريف طبعًا مع التفاوت في الرتبة بينهما، فالقرآن الكريم هو الأصل والحديث – أي السنة – هي المُفسِرة والشارحة للنص المقدس وأيضًا مع تفاوت المرتبة في الحديث (صحيح أو حسن أو ضعيف أو موضوع… إلخ)، قراءة زمانية ومكانية لا تلغي قدسيتها إنما الفهم المتجدد وتوفيق الرؤية بين الثابت (وحي السماء) والمتغير (العلم) يحقق لنا كمال الإيمان المتين والفهم السليم لكليهما، فالثوابت شيء والتفكير فيها شيء آخر، ولا يُقدم العقل على وحي السماء، لكن من الممكن استخدامه لفهم تعاليم الوحي الإلهي ولفهم الكون وشؤونه أساسًا، هذا ما أُمرنا به. فكل التفسيرات و المفاهيم المتراكمة في الفكر الإسلامي هي سلسلة لتطور الحركة الفكرية لدى المسلمين، وهذا ما يجب أن يكون.

فالعلم والدين كلاهما يدلان على الله تعالى. فمن خلق الإنسان وأعطاه العقل ليفكر هو ذاته العظيم الذي أمدنا بنور الهداية بواسطة الوحي جبريل الأمين إلى سيدنا الحبيب محمد، صلوات الله وسلامه عليه. فإن حصل وهم التعارض فهو حتمًا قصور بحثي في الأدلة والفهم لأحدهما عند من يتوهم التعارض. فالعلم هو وسيلة لفهم الدين وفق المعطيات العلمية المتغيرة والاكتشافات المستمرة وليس شيئًا مماثل للدين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ولقد أصبح من الواجب على علماء المسلمين الربانيين في عصرنا الحالي الذب عما ألصقه (الآخرين) من تعارض بين الدين والعلم وافتعلوا معركة وهمية بينهما وخيروا الأمة بين التمسك بأحدهما وترك الآخر، وجعلوهما ضدين بجهلهم المركب لحقيقة أن العلم مصدره الوحي، وما يمده الله للعقل البشري.

‏وأن العلم يثبت حقيقة الخالق العظيم للكون وكمال النظام الإلهي و الأخر أي (الدين) يقول لنا هذه شريعة أولو الألباب ولا حرج ولكل مجتهد (مؤهل للاجتهاد) نصيب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد