الشعوب عمومًا ينقذها شيئان؛ الدين والعلم، وخاصة في وقت الأزمات يكون الناس في أشد الحاجة للدين والعلم، فالدين يضبط أخلاق الناس، ويربطهم بالله، ويحثهم على التعاون والتضامن والترابط، ويوقف الأنانية والهمجية، وموجات الخوف والهلع، والعلم ينير الطريق، ويسهل الأمور، ويعالج الأزمات، ويضبط السلوكيات، وينظم الحياة. 

لهذا دأبت الأنظمة العسكرية والفاشية على تضييع دين الخلق، ونشر الفساد والعهر، وعلى تجهيل الخلق، ورفع مكانة الفئات الدنيا كالمغنيين والمشخصاتية، وعلى محق مكانة الفئات العليا، مثل العلماء عامة، والأطباء والمهندسين والمعلمين؛ حتى ينقلب المجتمع رأسًا على عقب وتضيع القدوات، هنا يسهل عليهم الحكم.

حتى داخل صفوفهم، نجد أن الجهل هو السمة الرئيسية المستحبة والمرغوبة والمطلوبة من أصغر رتبة إلى أعلى رتبة، ومن الصول إلى المشير، ومن سوَّلت له نفسه بالتعلم والفهم لن يجد له مكانًا بينهم، وسيحال إلى التقاعد مبكرًا، ومن دخل الجيش وتعامل مع أفراده يعلم ذلك علم اليقين، فتجده فريقًا أو لواء ويحمل عقل حمار، لا يحسن الوضوء، ولم يقرأ كتابًا يومًا، والحاكم الذي يتحفنا كل يوم بجهلة خير مثال!

الجهل هو بيئتهم الخصبة التي لا يحيون ولا ينتشرون إلا فيها.

لذا ليس مستغربًا أبدًا تلك السلوكيات الشاذة التي نراها يومًا بعد يوم تنتشر في المجتمع، إنها نتاج طبيعي لما سقاه النظام الفاسد للناس.

فلا مدراس ولا جامعات تعلم، ولا مساجد تربي، ولا دعاة يسمح لهم بالوجود في المجتمع ليُقَوِّموه!

كله جرى تعطيله أو منعه، فمن أين سيأتي الخير ومن أين سيخرج أي سلوك طيب أو فعل محمود؟!

إنها شبه دولة كما اعترفوا! بل أنقاض دولة!

يجب علينا أن نتحمل هذا العبء، ونؤدي الدور الذي اختارنا الله له ورضينا لأنفسنا وفق الممكن؛ لأن مجرد لعن الناس وسبهم على تلك الأفعال لن يعطي نتيجة وسيزيد الأمر سوءًا.

إننا قبل شيء دعاة مصلحون، دورنا إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن غياهب الجهل إلى سماء العلم، نسير على درب نوح الذي مكث يدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، وعلى طريق محمد الذي رماه سفهاء الطائف بالحجارة فدعا لهم بالهداية.

نعم يوجد شرخ وصدمة بين المصلحين والمجتمعات، ولكن في مثل هذة الأوقات العصيبة يجب أن ننسى كل شيء، وأن نردم الفجوة ونصلح الشرخ؛ لأننا مصابيح النور التي ترشد وتنير الطريق للمجتمع، إن غبنا أو تخلينا عن أدوارنا فعلى الدنيا السلام.

كما أننا نتحمل جزءًا كبيرًا في كون الجهل منتشر في المجتمع، فلم نؤد أبدًا واجبنا في التعليم والتثقيف ومحو الأمية بين أفراد المجتمع كما ينبغى، وانجرفنا إلى طرق وسبل أقل أهمية لتحقيق مكاسب وقتية؛ لذا من الشجاعة الآن أن نتحمل نتيجة ذلك الخطأ.

المجتمعات ليست أعداء لنا حتى نصب جام غضبنا عليهم، الجهل وأنظمته هم العدو الأول والأخير، وترك الدور الإصلاحي هو غايتهم وفيه أكبر مصالحهم.

لذا وجب علينا في مثل هذه الظروف أن نقاوم إلى أن نلقى الله؛ فلنقاوم بيئة الجهل الخصبة التي تحيي تلك الأنظمة الجاهلية، فلنقاوم تغييب الدين وتضييع الأخلاق والقيم ولنأخذ المجتمع إلى بر النجاة، ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

«إن أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ»

وإنه السبيل الوحيد للنجاة:

«وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ».

والجزاء عظيم:

 «وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ»

«وَما أَمْوالُكُمْ ولا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاَّ مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

دين, علم
عرض التعليقات
تحميل المزيد