الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رجل السياسة والإدارة والحرب

توفي الخليفة أبو بكر في السنة الثالثة عشرة للهجرة عن عمر 61 عامًا، تتعدد روايات موته التي لا تخلو أيضًا من نظرية المؤامرة في إحداها احتمالية قتله بالسم من اليهود حيث أكل منه مع طبيب العرب الحارث بن كلدة فمات كلاهما بعد عام متأثرين من ذلك السم، مات وهو بعمر صاحبه محمد عن عمر يناهز الـ63 عامًا، لم يمت الرجل أيضًا في ظروف سياسية مستقرة وهادئة بل كانت دولته تخوض حروبًا ضارية على الجبهتين الفارسية والرومانية، فالمرحلة بحاجة إلى رجل قوي وحاسم هذا من الناحية السياسية والعسكرية، لكن أبا بكر لم ينسَ فضل عمر في إنهاء الجدل الذي دار حول خلافة النبي وتأييده القوي لخلافة أبي بكر، فرد إليه هذا الجميل أيضًا وقد لا يكون ذلك منطقيًا من ناحية سياسية لكن تم إنشاء قسم خاص في العلوم السياسية يسمى «علم النفس السياسي» الذي يبحث في فهم العلاقات المترابطة بين الأفراد والمواقف التي تشكل السلوك، لو دققنا جيدًا في ربط سلوك عمر قبل تولي أبي بكر الخلافة فلن نجدها بمعزل عن اختيار أبي بكر عمر خليفةً ووريثًا له في الحكم، لقد اختار أبو بكر عمر ولم يختر أحدًا من أبنائه بل استشار المقربين له ولم يجد من يعترض على عمر فكتب عثمان بن عفان كتاب العهد وقرأه على المسلمين وسيصبح عثمان الخليفة الثالث بعد عمر، يروى في الأثر أن أبا بكر استشار عبد الرحمن بن عوف فرد قائلًا، «إن فيه غلظًا» فقال له أبو بكر «ذلك لأنه يراني رفيقًا، ولو أفضي إليه الأمر لترك كثيرًا مما هو عليه، وقد رمقته فكنت إذا غضبت على رجل أراني الرضا عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه» وقال فيه عثمان بن عفان إن «سريرته خير من علانيته وليس فينا مثله»، لكن كان لطلحة بن عبيد الله الذي انحاز للإمام علي يوم السقيفة موقف آخر وقال لأبي بكر غاضبًا «استخلفت على الناس عمر وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، وكيف به إذا خلا بهم».

سيستخلف أبو بكر رجله القوي وذراعه الأيمن عمر بن الخطاب الرجل الذي فتح القدس وتسلم مفاتيحها بكلتا يديه فيما بعد، ليس القدس فقط سيفتح بلاد فارس أيضًا في خلال أقل من سنتين، ووصلت جحافل جيوشه مصر وأرمينيا، للرجل قدرات قضائية عالية وحنكة عسكرية وشخصية قوية، جاهر بإسلامه وهجرته علنًا بعد أن كان أشد الناس عداوة للإسلام، لم يذع صيت الرجل في أوساط المسلمين فحسب بل سيشيع في أوساط المسيحية إلى يومنا هذا، يذكرون أن رجال الدين المسيحيين كانوا يلتجئون إليه لرفع ظلم الروم عن رعاياهم، عدا عن العهدة العمرية الشهيرة، للشيعة وجهة نظر أخرى في هذا الرجل حيث يروى في الأثر الشيعي أن عمر ثاني من اغتصب الخلافة واستلبها من الإمام علي بل كان رأس حربة تثبيت الخلافة لأبي بكر، يروى في الأثر الشيعي أن عمر في اللحظة الصفر لما قبل خلافة أبي بكر واجتماع الفرق الثلاث من الأنصار والمهاجرين وفريق الإمام علي ومعه الزبير بن العوام الذين مكثوا في بيت فاطمة بنت النبي وزوجة علي قد قدم إليهم حاملًا قبسًا من نار، على أن يضرم عليهم الدار فلاقته فاطمة قائلة «يا ابن الخطاب أجئت لتحرق دارنا؟» فرد عليها «نعم، أو تدخلوا ما دخلت فيه الأمة» في حيثية هذه التفصيلة وبمعزل عن صدقية أو عدم صدقية الحادثة إلا أنها لا تختلف كثيرًا عن رواية الأثر السني الذي يقول إن عمر لعب دورًا مركزيًا ورائدًا في تثبيت الحكم والخلافة لأبي بكر.

إنجازات عمر وألقابه

لقد حاز عمر ألقابًا عديدة في التاريخ الإسلامي منها الفاروق وكان أول من حاز لقب أمير المؤمنين ولكل هذه الروايات رواية مضادة في الأثر الشيعي، أطلق عليه النبي يوم معركة بدر أبا حفص وهو شبل الأسد ولعمر ابنة اسمها حفصة، استمرت خلافة عمر حوالي عشر سنوات ونصف شهدت تطورًا كبيرًا في الإدارة العامة للدولة في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، فأنشأ وزارة للمالية «بيت مال المسلمين»، ووزارة للعدل «ديوان المظالم» وعمل على تطوير القضاء وتعيين القضاة وتنظيم مرتباتهم، أنشأ وزارة للدفاع «ديوان الجند» وديوان الخراج الذي جمع الضرائب من أصحاب الأراضي والملاك وديوان العطاء المسؤول عن توزيع الأموال إلى المستحقين من الناس، فيما أسس أربع مدن كبيرة اليوم في دولها مثل الفسطاط والجيزة في مصر، والكوفة والبصرة في العراق، لا يتمتع الرجل بالشعبية في هاتين المدينتين العراقيتين اليوم.

كارثتان أصابتا دولة عمر في عام واحد

تمتع الرجل بجرأة كبيرة في زمانه في تجاوز قضايا فقهية نصية، فقد أوقف حد قطع يد السارق في عام المجاعة أو ما سمي عام الرمادة، بسبب احتباس الأمطار، كان عامًا صعبًا على دولة عمر التي شهدت كارثتين تمثلت بالمجاعة في مركز دولته ومرض الطاعون في بلاد الشام في الأراضي الفلسطينية وفي بيت المقدس تحديدًا، قتل في هذا الطاعون حوالي 30 ألف مسلم كان من ضحاياه القائد أبو عبيدة بن الجراح وعديد من القادة العسكريين آنذاك، ذهب عمر بنفسه لبلاد الشام للاطلاع على نتائج هذه الكارثة والقيام بإجراءات إدارية وسياسية واقتصادية عقب هذا الحدث الجلل، من أحد قراراته استعمال معاوية بن أبي سفيان الذي قتل أخوه يزيد في الطاعون على دمشق وجندها بعد أن كان واليًا للأردن، سيكون لذلك القرار تبعات كبيرة على الدولة الإسلامية بعد سنوات.

كيف تعامل عمر مع الأقليات من غير المسلمين؟

أشهر ما عرف عن عمر العهدة العمرية التي أعطى فيها  لمسيحيي فلسطين الأمن والأمان على أرواحهم وأموالهم وكنائسهم وحقوقهم الدينية بدون أي مساس، لكن هل توقفت الأمور حد ذلك الأمر؟ يحدثنا التاريخ أن عمر أسقط الجزية على فقراء أهل الكتاب من اليهود والنصارى لا بل أعطاهم من بيت مال المسلمين، وأمر أن تكون الجزية بحسب القدرة المعيشية، لكن سيكون لابن الخطاب موقف آخر مع يهود الجزيرة فقد أخلاهم من الجزيرة العربية ومن شمال المدينة المنورة تحديدًا، يعرف اليهود بحرفيتهم التجارية لكنهم أهل شعوذة وسحر بحسب كل الروايات التاريخية الإسلامية، ما زال اليهود حتى يومنا هذا من أمهر السحرة في العالم، حاك اليهود مؤامرات كثيرة على الدولة الإسلامية منذ نشأتها في المدينة المنورة.

تعرضت الدولة الإسلامية أثناء حياة النبي وبعد رحيله لحملات سياسية وعسكرية قوية كادت أن تطيح بها، فيما لم تعمل دولة الإسلام بنظرية الدفاع فقط، كانت استراتيجية الهجوم إحدى أهم النقاط المهمة باكتساحها بقاع الأرض وهيمنتها الدينية والسياسية، تحول الإسلام من دين عبادة إلى دين سيادة أو ما يمكن تسميته بالدين المهيمن، لم تجرِ صفقات سياسية مع الخصوم والممالك الأخرى كما حدث عندما اعترف الإمبراطور قسطنطين بالديانة المسيحية بعد 325 عامًا من أصناف العذاب التي لاقاها أتباع المسيح من بعد رحيله، كان اعتراف الإمبراطور سياسيًا من الطراز الأول فقد شهدت مملكته احتقانًا سياسيًا واجتماعيًا شديدًا وكبرت المعارضة عنده وكثرت القلاقل، لكن الدائرة المحيطة بالإمبراطور لم تعترف بالمسيحية كما جاء بها المسيح، تروي الكتب التاريخية الغربية أن تعديلات كبيرة قد طرأت على هذا الدين الرسمي الذي سيسود فيما بعد ليتحول إلى أكبر دين يتبع في العالم عدديًا ليومنا هذا، تذكر الروايات أن تم عمل نوع من الدمج ما بين المسيحية والوثنية السائدة آنذاك، منها مثلًا الرسوم التي تطغى على كل الكنائس المسيحية في العالم فهذه العادة وثنية، يوم الأحد مثلًا (Sunday) الذي يعني يوم الشمس هو يوم وثني بامتياز فبحسب العهد القديم الذي يعتبر أساس العهد الجديد فإن يوم السبت هو اليوم المقدس وليس الأحد وقضايا أخرى عديدة تم التطرق لها في الرواية الشهيرة للمؤلف الأمريكي دان براون، لكن الأهم تفريغ الدين من كل محتوى سياسي يمكن أن يهدد عرش الإمبراطورية من خلاله.

مقتل عمر بن الخطاب

قتل ابن الخطاب سنة 644 ميلادية عن عمر 63 سنة حسب الروايات التاريخية، قتل على يد الفارسي أبي لؤلؤة المجوسي، يروى أن سبب القتل على خلفية فتحه لبلاد فارس وقتل رؤسائها وتقسيم أموالها، للأثر الشيعي وجهة نظر أخرى تقول إن من قتله من متعصبي علي للخلافة، هناك مزار لقاتل عمر في مدينة كاشان الإيرانية فيما تقول الروايات السنية إنه قتل في المدينة ودفن فيها وأن مزاره في إيران ليس أكثر من تعظيم له، سيخلفه عثمان بن عفان لكن لم يختره عمر بالاسم كما اختاره أبو بكر إنما سيضع قائمة من ستة أسماء عثمان أحدها، وستتم عملية شورى ومشاورات رست على عثمان بن عفان، ستكون مرحلة عثمان صاخبة في التاريخ السياسي الإسلامي خصوصًا الداخلي.

الخلاف بين عمر وعلي والنظريات حولهما؟

لعمر بن الخطاب صيت كبير في أوساط العالم أجمع، يعتبر الشخصيات السياسية المهمة في التاريخ الإسلامي وليومنا هذا، فبقدر ما يشار له في فقه أهل السنة وآثارهم التاريخية بقدر ما تثار أقاويل مضادة في الفقه والثقافة الشيعية ليومنا هذا، فيما يشكل علي في الأثرين مكانة لا تقل أهمية عن عمر مع فارق تعظيم الشيعة لعلي ومظلوميته وأحقيته السياسية والدينية في الخلافة، ينظر عالم الاجتماع العراقي د. علي الوردي وهو شيعي المذهب أن كلًا من عمر وعي هما مما سماه «حزب الثورة المحمدية»، تطرق الوردي لهذا الخلاف في كتابه مهزلة العقل البشري الذي يفهم منه أن الرجلين اختلفا مع بعضهما البعض ولم يختلفا على بعضهما البعض، من يبحث في تاريخ الرجلين فسيجد أن عمر قد تزوج بنت علي وأن عليًا قد سمى أحد أبنائه عمر، فالصراع على الرئاسة والقيادة مثلما ذكر الوردي ناقلًا عن ابن خلدون طبيعي وعادي وهي غريزة وفطرة مزروعة في البشر، كما التحاسد والتباغض والتنافس أيضًا.

من يتتبع تاريخ الفقه والتشريع في الإسلام فسيجد خلافات واختلافات عديدة ما بين الرجلين علي وعمر في قضايا فقهية عديدة على علاقة بالتشريع والاجتهاد، لكن هل الخلاف بينهما فقط؟ فالفقه الإسلامي السني وحده يحوي أربعة مذاهب مختلفة، تتفق أحيانًا مع بعضها البعض وتختلف أحيانًا، وبعضها يتفق مع بعض ويختلف مع الآخر، هذا شيء بديهي في الفقه الإسلامي، وهو ما يسمى في الفقه الإسلامي بالاختلاف السائغ المقبول خصوصًا في القضايا التي لا نص قطعي فيها، هناك نوعان من الاختلافات أيضًا هي الاختلاف الممدوح والاختلاف المذموم.

يلاحظ في السنوات العشر الأخيرة وبعد الغزو الأمريكي للعراق الذي أعقبه فتنة طائفية خطيرة في العراق ولبنان وغيرهما بروز ظاهرة إحياء بذور الخلافات السياسية والاختلافات المذهبية التاريخية، تشيع شيعة علي له منذ القدم، لكن الملفت بروز ظاهرة تشيع من نوع آخر في المجتمعات السنية في البلدان التي تشهد أزمات سياسية وطائفية وهذه الظاهرة يمكنني تسميتها التشيع لعمر أو بمعنى آخر «لكم عليُّكم ولنا عمرنا»، بدأت ظاهرة تعظيم عمر مؤخرًا بشكل مبالغ فيه تمامًا كظاهرة علي في الأوساط الشيعية لكن مع فارق أن لا أحد في الأوساط السنية في هذه الدول التي تشهد توترات طائفية يتناول عليًّا بما هو غير مقبول، فيما يلاحظ أيضًا حالة هجوم مضاد على عمر في أمر يبدو أنه ليس بمعزل عن الثقافة الدينية السائدة في الحوزات العلمية في إيران، تأثير الثقافة الفارسية في المذهب الشيعي لم يقتصر على حيثيات طائفية ذات بعد عقائدي فقط إنما تعدتها لمسائل قومية ذات علاقة بالتاريخ الفارسي الذي تم إدماجه بشكل ذكي جزءًا من المذهب الشيعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد