الوجود أمر رائع، ولا يبدو أن الحياة اليومية تشكل إجابة كافية عنه. عزمي بشارة

في الأسماء تتركز فكرة الشعب عن معبوده، والأسماء هي كالحدود في تطور الدين، إذ ترينا أين ينتهي دور وأين يبتدئ دور آخر. ديتلف نيلسن

رأى الإنسان اليمني أن حياته العملية اليومية لا تقدم معنا كافيا لوجوده، ولكل ما يحدث من حوله، فذهب يبحث عما يضفي على هذا الوجود والعمل اليومي معنى وقيمة، عن مجهول معلوم، ينسب له نصره وهزيمته، يعبر عن طموحاته وتطلعاته وأشواقه الروحية، عما يوحده ويلم شمله في مواجهة الطبيعة وقسوتها من حوله، من كوارث وأمراض، وشر وخير، عما يواكب حاجته وتطوره الاجتماعي.

في كل مرحلة من مراحل ذلك الإنسان القديم، حاول أن يخلق مما حوله ما يعزز وجوده ونفوذه، وهكذا وإن بدت تلك الحياة الدينية القديمة في حية الإنسان اليمني غاية في التعقيد والتعدد، وفي رأي بعض الباحثين الذي جهلوا حياة ذلك المجتمع تبدو نوعًا من السذاجة، فإنها كانت حياة دينية أوجدتها الحياة العملية لذلك الإنسان وتعقيداتها وتنوعها أيضًا، أفرزها التطور الاجتماعي البطيء لذلك المجتمع، والذي ساهمت فيه عوامل بيئية شتى، عاشها ذلك الإنسان، ولاحقًا كانت بواعثها سياسية واقتصادية بامتياز.

لا يعني مما ذكرنا أن تلك الحياة الدينية لذلك المجتمع لم تكن لها بواعث وأشواق وظمأ روحي، ذلك أن المجتمع لم يمكث عند غرائزة، ولو فعل لما كان تطور، ولما كنا رأينا تلك الحضارة التي خلفها الإنسان اليمني، وقد رأينا ذلك في توسلاته، ورسومه ونصبه، والمذابح والمعابد الحجرية التي أنشأها. إلا أن الطابع السياسي والعملي كان هو المهيمن والطاغي على تلك الحياة، لما تتسم به تلك البيئة من ذهنية العمل والحركة التي هيمنت على كل جوانب حياته بما فيها الدينية.

نظر الإنسان اليمني من حوله وهو المزارع والصياد، صاحب التجارة والقوافل التي تسير لأشهر، صاحب المرعى والصحراء، صاحب الحرب والغزو والغنيمة، نظر فوجد القمر – الإله (ألمقة) عند سبأ، والإله (عم) عند القتبانيين، والإله (ود) عند المعينين، والإله (سين) عند الحضرميين – وجده مرشدًا للقوافل في البراري، ونورًا في الصحاري، يجلب الراحة والطمأنينة، مخففًا بذلك ويلات الشمس وحرارتها اللافحة أثناء الليل، رأى فيه ما يجعله مميزًا عن ظواهر السماء ومهيمنًا عليها. يذكر الباحث عبد الله الشيبه في مؤلفه دراسات في تاريخ اليمن القديم، أن القمر يعد الإله الرئيسي لقدماء اليمنيين، ولهذا كان ينفرد بالكثرة المطلقة من الأسماء، والألقاب، التي تختلف من منطقة إلى أخرى. كانت له مكانة رفيعة للغاية في تصريف مواقيتهم وإدراكهم لعدد السنين والحساب، ولذا رأوا فيه شيئًا يخدمهم في واقعهم وحياتهم اليومية، يحرس مرعاهم ويضيء لهم الطريق، فعبدوه وذهبوا يشيرون إليه بالوعل ورأس الثور ومما ألفوه من واقعهم.

تطور واقع ذلك الإنسان من حوله، فزاوج بين المقة (القمر) وهو ذكر في كل الممالك اليمنية القديمة، و(الشمس) المؤنثة في كل الممالك اليمنية، ذهبوا يرمزان للشمس بالنسر تارة لما له من سيادة وهيمنة، وقوة وشموخ، وتارة بالحصان لما له من قداسة وأهمية في الكر والفر. تارة يسمونها «ذات حميم» في فصل الصيف لقربها، و«ذات بعدان» في الشتاء لبعدها «وذات تنوف» الشمس النائفة أي العالية. كانت الحياة الدينية لذلك المجتمع بما تحمل بعدًا أنطولوجيًّا، إلا أن الطابع الزراعي والاقتصادي والسياسي للمجتمع اليمني القديم، كان من يشكل الأطوار الدينية، لظهور إله وتسمية إله جديد، وكان ذلك يعلن عن مرحلة جديدة من حياة ذلك المجتمع، وهكذا على مستوى القبائل والقرى والمحافد الصغيرة.

يذكر موسكاتي في مؤلفة الحضارات السامية، أن الإله (عثتر) أي نجم الزهرة، لدى عربي الجنوب إله ذكر، بينما أن نظائره في جميع الأديان السامية الأخرى مؤنث وكان يدعى (عشتر). ويجدر بالإشارة أن هذا (عثتر) هو ابن المقة وذات حميم (الشمس والقمر) وهو الإله الرئيس لدى مملكة سبأ، وهذه الأخيرة كانت قامت مداميك ملكها على ممالك قتبان ومعين وحضرموت، مما يعني أن هذا المولود الجديد (عثتر) يعبر عن تطور اجتماعي جديد في حياة المجتمع السبئي، حينما وحد الملك (كرب إل وتر كل الممالك تحت راية سبأ)، وعثتر هذا بما أنه مولود فهو إله لاحقًا لا وجود له سابقًا قبل القمر الأب والشمس الأم، ولاحقًا نسبت لعثتر ظاهرة الرعد والمطر والعواصف والري والخصوبة والنمو الزراعي.

يعرج الأحصب في كتابه هوية السلطة في اليمن، حول استثمار المذهبية سياسيًّا وتجلياتها، أنه بالإضافة إلى وجود إله اتحادي تعبده كل الشعوب اليمنية القديم، كان ثمة آلهة خاصة بالاتحادات؛ إذ كان لكل اتحاد وقرية وقبيلة معبودًا خاصًّا به، وقد أطلق المستشرقون على معبد أوام السبئي (المعبد الفيدرالي) كمجمع ديني معبرًا عن التطور السياسي الذي لعبته مملكة سبأ.

كما شكلت الذهنية العملية التي عاشها الإنسان اليمني القديم نظامه السياسي والاجتماعي، كذلك فعلت معه حياته الدينية، وهذا يظهر جليًّا في حياة الإنسان اليمني مع مجيء الديانة التوحيدية التي سميت بالتوحيد اليمني (الرحمن إله السماء)، ولاحقًا عاش اليمني أربع ديانات في أربعة قرون في حالة فريدة من نوعها لم تحصل من قبل مع بقية الشعوب من حوله.

يدل ذلك على حركة المجتمع وعدم سكونه، على أن هناك واقعًا وذهنية حركية غير مستقرة، وهذا جلي في تاريخ اليمن الإسلامي منذ فجره حتى أفول الدويلات اليمنية، لاحقًا استمر ذلك مع النظام الجمهوري، غذته الطائفية الدينية وعززت وجود تلك الذهنية، ربما تسعفنا الأيام للكتابة عنه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد