منعت مصر مؤخرًا، مادة الدين الإسلامي في مدارسها، واستبدلت بها مادة أخرى للأخلاق، وكأن مصر متأثرة بالفلسفة النتوية اليابانية – الدين الرسمي للدولة، تعاليم تمتد جذورها إلى ما قبل التاريخ، لا تعترف بشيء إلا بالعقل البشري روحيًا، تمارس بواسطة تقاليد وطقوس وممارسات وسلوك، تقدس قوى الطبيعة، والإمبراطور، والأسر الحاكمة في تعاليمها – تعتمد موادًا لتعليم الأخلاق في مدارسها. لكنها لم تتأثر بتطور العقل والفكر الياباني مثلاً، لتعمل على تغيير مناهج وزاراتها، ومؤسساتها التعليمية.

الحجة التي اعتمدتها مصر في اتخاذ القرار اعتمد على أن هذه المواد تنشئ جيلاً إرهابيًا يكره الحياة ويتناقض بل يكره مفاهيم الحضارة العالمية، وكأن مصر هنا، إن قامت بإلغاء المواد الدينية من مناهجها المدرسية قادرة على صعود سلم الحضارة!

القرار جاء دون دراسة، إذ إنه تجاهل مثلاً أن المواد الأخلاقية التي تدرس في بعض دول العالم، تعتبر فيها الأسرة وترتبطها عنصرًا أساسيًا في تطورها، لا دولة مفككة أسريًا، وأن الكفاءة في إيصال الأفكار والأخلاق وإنتاجها، يبدأ من الأسرة لا من المدرسة، وأن إيصالها إلى الجيل الجديد يتم بواسطة كفاءات حقيقية، لا تعتمد المحسوبيات والحديد والنار في نشر رؤيتها الأحادية التي تعبد الفرد وتقدسه، دول ترى أن الإنجاز والبناء سيرة ذاتية للفرد، لا تنظر إلى أصله، أو دينية، أو عشيرته، أو طائفته، أو قدرته المالية والجسدية.
أتستطيع مصر مثلاً تسليم مقاليد الحكم لمسيحي، قبطي، من الإسكندرية أو الصعيد مثلاً، إن كانت الأخلاق هي التي تسير خطى الدولة، خصوصًا أن الأخلاق ونشرها، يتوجب أن يرافقها العدل؟

في إسرائيل – التي صوتت لها القاهرة مؤخرًا في الأمم المتحدة للدخول في لجنة الفضاء الدولية – يحتل الدين سنام حركتها، فهي تدرس المواد الدينية في مدارسها ومعاهدها، وجامعاتها، وصولاً إلى مؤسستها العسكرية والأمنية. مواد تستمد من التوراة – العهد القديم – والتلمود المنشأ، تدعو إلى سحق العرب، وقتلهم، وأطفالهم، وسلب أراضيهم، وأموالهم.

 

 
بل إن الاتجاه العام في جيش الاحتلال الإسرائيلي يخضع لسيطرة متشددين دينيين، مع أنها تدعى ليبرالية، ثمة خلافات حقيقية بين المتشددين والليبراليين، وغيرهم من أطياف “الغيتو” الاستيطاني الإسرائيلي، لكنهم لا يدعون إلى شطب المواد الدينية من المدارس، بحجة أنها تنتج إرهابًا، متأصلاً في كتبهم وتراثهم الديني. هذا في داخلها.

أما في خارجها، فإننا لم نر دولنا العربية خصوصًا من وقعت سلام الخرفان معها، ومن خلفها مؤسساتنا الإقليمية مثل الجامعة العربية، لم نجد أيًا منها تطالبها بإلغاء المواد الدينية من مناهجها، لأنها تنتج إرهابًا، وفكرًا مشوهًا، يسهم في عدم استقرار المنطقة، ويقلل من فرص إحلال السلام فيها، ويتناقض مع شروط معاهدات السلام الموقعه ما بينها وبين الدول العربية.

لربما نسيت القاهرة وعواصم الأنظمة العربية، أن المواد الدينية التي أمرت بشطبها، واستبدالها، مواد أخلاق! هي من أوجدتها، وهي عين المواد التي كتبت بيد أزلامها للسيطرة على الشعوب، أن بواسطة الأزهر، أو بواسطة المنابر التي عُين خطباؤها بواسطة أجهزة الدولة.

نسيت القاهرة أن هذه المواد التي تراها منتجة للإرهاب هي ذاتها التي اعتمد عليها في إنتاج جيل يخدم مصالحها، وتحالفاتها السياسية، عندما طبلت ودعمت الحرب الأفغانية في الثمانينات القرن الماضي، وهي ذاتها التي رقصت للعدوان الثلاثيني على العراق وفرحت باحتلاله، وهي ذاتها ترى المقاوم الفلسطيني مخربًا إرهابيًا لأنه دافع عن حقه في الحياة، بعدما أغلقت بوجهه المعابر والمنافع وجففت قنوات عيشه على يد إخوانه، هي المواد ذاتها التي شرعت تدمير ليبيا واليمن، وسوريا، فقط لأن هذه الدول لا تتوافق ومصالحها رأس النظام.

فهل الدين الإسلامي ومواده التعليمية في المدارس من أنتجت الإرهاب في مصر والعالم العربي؟ أم أن الجوع الكافر، والظلم الممتد العابر للعمر والسنوات، والاستبداد، وإرهاب الدولة، الذي مورس ومازال ضد الشعوب هو من أسهم في نشر الفكر الإرهابي بين جموع الناس، كرد فعل على تهميش الدولة وجبروتها، وعدم اكتراثها بالشعب وحقوقه.

الغريب في ” الحدوتة” المصرية، الذي يراد منها صرف انتباه الشعب المصري خاصة والعربي عامة، عما هو ضروري، إلى ما هو هامشي، الغريب أنها استبدلت مقررات الأخلاق بالمقررات الدينية، متناسية أن الدين مجاميع أخلاقية، فجذره الأساس أخلاقي، يقول الرسول محمد صلى الله عليه وسلم: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”.

وأن المصلي إذا لم تردعه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، وأن لا إكراه في الدين، وأن احترام الأديان كافة جزء من الإيمان، وأن دعوة الإسلام بأبسط تعاليمه، وجدت لسعادة الإنسان، واحترام حقوقه، فالمادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان اعتمدت على قول الخليفة الراشد الفاروق عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – إذ تقول: “يولد جميع الناس أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميرًا وعليهم أن يعامل بعضهم بعضًا بروح الإخاء”.

فإن كان العالم الغربي الذي نعتبره كافرًا، ولا يؤمن بشيء عدا المادة قد اعترف بتعاليم الإسلام ودورها في بناء الإنسان الحضارة، لماذا يصر الأنظمة العربية على إنكار ذلك وإلصاق الإرهاب بالدين الإسلامي، وكأن الإسلام ومدرسته هي المعضلة الأبدية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد