الدين بمعناه الواسع لعب دورًا أساسيًا في تطور العلاقات بين الشعوب وساهم في خلق العديد من التجاذبات المعقدة، وفي صراعات لا حصر لها بين شعوب العالم منذ فجر التاريخ، إن التاريخ البشري والكتب الدينية يزخران بأحداث ووقائع وحروب تاريخية كان الدين والمعتقد السبب والهدف الرئيسين وراءها، فمن انقسام الإمبراطورية الرومانية بسبب الانقسامات الدينية إلى توسع الامبراطورية العثمانية بهدف نشر الدين والفتح، ومن حروب فرنسا الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت إلى الصراع العربي الإسرائيلي تطول لائحة الحروب الدينية بشكل لا يمكن حصره.

غير أنه مع انتشار الفكر العلماني في أوروبا ومعظم دول العالم، ساد اعتقاد بأن الدين اختفى، ولم يعد له ذلك الدور الجوهري في تشكيل وتوجيه العلاقات الدولية (على الأقل على المستوى الاُوروبي)، واتجه المفكرون إلى اعتبار أن المصالح الاقتصادية والسياسية هما المحركان الأساسيان للعلاقات الدولية، فها هي المدرسة الواقعية (الواقعية هي اتجاه فكري اهتم بالعلاقات الدولية) تخبرنا على لسان أشهر مفكريها هانس مورغاتنو: بأن الدول لا تتحرك من أجل الاعتبارات الاَيديولوجية والقيمية، بل من أجل المصالح المادية، وبالتالي ليس هناك أي دور للدين في العلاقات الدولية الحديثة والمعاصرة.

على خلاف ما سبق، ذهبت المدرسة المثالية إلى اعتبار أن الدين يجب أن يكون له دور في العلاقات الدولية، لسبب واضح هو أن جميع الاديان لها هدف واحد ألا وهو كرامة الإنسان، وبالتالي يمكن للدين أن يعمل على التقارب والتقريب بين دول العالم والمساهمة في الاتحاد بين شعوبها. أما المدرسة البنائية فخلصت إلى أن الدول التي لها هوية واحدة أو على الأقل تتشارك في هوية معينة: الدين، اللغة، الثقافة… لا يمكن ان تتواجه عسكريًا أو أن تخوض حروبًا مباشرة.

بين هذا الاِتجاه وذاك، لا يمكننا أن نتجاهل فكرة أن الدين يستخدم كأداة فعالة في التعبئة السياسية ويوظف من أجل إضفاء الشرعية على الكثير من الأمور، كما أنه ملجأ يتم الرجوع إليه عندما تضعف وسائل الدفاع الأخرى، وهذه أبرز مظاهر وصور حضور الدين في العلاقات الدولية بدأ من أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين: أولًا: قيام مجموعة من الدول على أساس ديني: باكستان وإسرائيل مثلًا، مع عدم إغفال نتائج قيام الدولة على أساس ديني عندما يتعلق الأمر بتعاملها مع الدول التي لها دين آخر، ثانيًا: اتحاد الديانات الكبرى في العالم في صف واحد في مواجهة المد الشيوعي والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة وتأثير ذلك على موازين القوى الدولية، ثالثًا: النمو الكبير للجماعات الدينية متعددة الجنسيات والقوميات، رابعًا: تنامي الإرهاب من جهة ومواجهة الإرهاب من جهة أخرى، وما تسبب فيه هذا من حروب ونزاعات دولية، خامسًا استخدام الخطابات الدينية من أجل شرعنة التدخلات العسكرية في العديد من الدول، سادسًا: تأثيرات هجمات 11 من سبتمبر (أيلول) على العالم بأسره بما حملته هذه الهجمات من طابع ديني جهادي.

كل هذه المظاهر وأخرى تكشف لنا كيف يؤثر الدين والأفكار الدينية والصراعات القائمة على أساس ديني على العلاقات الدولية، وبالتالي يمكننا القول إن الدين ما زال يؤثر، ولو بشكل غير مباشر على العلاقات بين شعوب العالم كما كان في السابق، كما أنه سيبقى كذلك مؤثرًا ما دام الدين جزءًا من فكر الإنسان وثقافته وهويته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد