في عصر ارتفع فيه شعار {حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ} تلك الحجة الواهية المطموسة التي تجمّد العقول وتلبّد الأفكار، على هذه الأرض الراكدة جاء محمّد محدثًا ثورة في الأفكار والقيم! كانت ثورة محمّد (صلى الله عليه وسلم) ثورة على العادات والتسليم المطلق بصواب كل قديم متوارث {وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ} قبل أن تكون ثورة على نظام سياسي قريشيّ فاسد مريض، على هذه الأرضية الموحلة سعى محمّد (صلى الله عليه وسلم) إلى بناء مجتمع حضاري، إلى إنشاء مدينة فاضلة! هذه الثورة التي هزّت مكّة فالعالم! لم تقابل بالحسنى، بل تجاهلوه {تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ} و{جَعَلُوٓاْ أصابعهم فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وأصروا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا}، بعدها حاولوا كسبه وإغراءه، فعرضوا المناصب والمال إلا أن القضية لم تكن قضية مال أو منصب، بل كانت ثورة على الباطل، عملية تغيير جذري لأرضية طغى عشبها الفاسد على زهرها! ولمّا لم يفلحوا كان العنف والاضطهاد الحل الوحيد {حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نصرنا فَنُجِّيَ مَن نشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِين}.

هذا المشهد يتكرر في كل ثورة وفي كل دعوة للتغيير، ينكمش الناس على معتقداتهم ويحاربون التغيير بألسنتهم وأيديهم، بأموالهم وأولادهم، يخشون تكسّر أصنام العقل، يخشون الاعتراف بالزيف والتيه! وعلى مرّ الزمن لم تنجح ثورة دون تضحية، لم يحصل التغيير دون كروب مزلزلة دون يأس يتخلل النفوس، وشكّ يتشرب العقول! الانتفاضة وكسر الصنم الأكبر، صنم التسليم بصوابية القديم لن يمرّ مرور الكرام وإن كانت حجة المنطق هي الأقوى!

وها هي ثورة محمد (صلى الله عليه وسلم) كحال كل دعوة حق ترمى بالسهام، وتحارب بالسيف واللسان، وتشبثت الأغلبية بالماضي ولم يقف معه إلا نفر قليل، أنصار كحواريي عيسى عليه السلام! فتنة تلو الأخرى غربلتهم، وصقلتهم حتى غدوا الكتلة النوعية الحرجة المطبوعة على فطرة لا تعرف اليأس والقعود، كتلة بدأت بالخطوة الأولى أحسنت الفهم فحسن العمل! غيّرت من أفكارها فتغيّر سلوكها! أدركت أن حلم الحضارة بات واقعًا فانتفضت وشمّرت عن السواعد وأحيت الهمم وقامت تنحت في الصخر!

تلك الصفوة النوعية لمّا وجدت، تحول التجمّع إلى دولة تحمل المشروع وتصيغ المجتمع به، جوهر الحضارة إذا هم الحراس الصادقون هم { أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي والأبرص}الذين يقررون الكفاح، ولَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبار عند اللقاء وحسبهم أن {قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صبرا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا}!

بناء إنسان الحضارة والفعل ليس إذًا باليسير لكنه ليس مستحيلا! وجهل الأغلبية واتباع القاعدة للأقلية الفاسدة لم ولن تكون حجة للاستكانة والتسليم!

واليوم في عصر الجاهلية الثانية، حيث طغت العاطفة على المنطق، ووجد التشيّع للزعيم في كل بيت وقطر، اشتعلت ثورة جديدة، منادية بالتغيير وعلى الثوار التيقن أن الطريق صعب، وأنها كثيرة التكاليف، وأن الانضمام إليها للمقاومة صعب كثير الشدائد، وأن الأغلبية لم تزل في شكّ منها مريب، غير مقتنعة بها متخوّفة من نتائجه! وأن الفراعنة والطواغيت كثر، وأنهم يملكون القوة والمال، ويملكون استخفاف الجماهير، والتحكم بسلوكهم وأفكارهم، وتألبيهم على الثوار بقولولهم كما قال فرعون موسى {إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ }!

لكن «النفوس الكبيرة لا يهزمها الظلم مهما بغى، ولا يهدم عزيمتها الطغيان مهما اعتدى»، فالتحديات الكبرى والعملاقة إذا ليست هي العائق، إنما الإنسان نفسه، ووحده الثائر الحق قادر على أن يحمل الحلم بقوة من حيّز القول والدعاء إلى حيّز العمل والإعداد! إنه إنسان الحضارة، إنسان الفعل في أضعف الحالات الموجودة، القادر على العمل في ظروف يزهد الآخرون فيها!

ختامًا إنَا لنا في خير الأنام محمّد (صلى الله عليه وسلم) أسوة حسنة! فلنقتد به! وليكن المولد درسًا في الثورة ودعوة للنهضة لا حفلا أو رقصة!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد