يقول البعض أو يؤرخ مرحلة استيلاء العسكر على السلطة في بلادنا الإسلامية التي تعربت حبًا في الدين الإسلامي، واتباعًا للغة التي نزل بها هذا الدين الذي استطاع جمع كل هؤلاء العجم على لغة واحدة، بأنها جاءت بعد وصول الاحتلال إلى بلادنا كنتيجة حتمية لاهتراء الملكيات التي كانت تحكم بشكل صوري.

والحقيقة أنني أرى أن استيلاء العسكر على بلادنا قديم، حتى أنه أقدم من الفترة المملوكية، التي استولى فيها المماليك بالسلاح على الأقطار الإسلامية وقادتها، وكل من لديه خلق ودين.

البداية

مات النبي صلى الله عليه وسلم بعدما أرسى قواعد هذا الدين وأوضح معالمه للوارثين من بعده، ترك لهم كتابًا واحدًا هو القرآن يفصل بينهم ويحكم فيهم، وسنّة عاشوها حية تمشي بينهم في القضاء والعبادة والسلم والحرب والزواج والطلاق وحتى دخول الخلاء وآداب الطعام والاستئذان، دين كامل شامل، وترك النبي لهم تحذيرًا أخيرًا فقال لهم في وصية وداعه كما في رواية الترمذي: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ يَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ.

وقد كانت الخلافة الراشدة ثلاثين عامًا بعد النبي (مدة ولاية الراشدين الأربعة) وهو ما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ مُلْكًا بَعْدَ ذَلِكَ.

وقد كانت الخلافة الراشدة نظامًا تبايع فيه الأمة من ترضى دينه وخلقه، وترضاه أميرًا يصلح للإمارة، فليست متطلبات الإمارة دينًا قويًا وخلقًا حسنًا فحسب؛ بل وقدرة على الإدارة كذلك، لذلك لما أراد أبو ذر أن يتولى ويصير أميرًا لرسول الله حذره النبي مما يطلب، وقد روى مسلم ما دار بين أبي ذر والنبي صلى الله عليه وسلم بهذا الشأن، فعن أَبِي ذَرٍّ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟؟ قَالَ فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةُ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا.

وأنت ترى أن كل من خَلَف النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن مؤهلاتهم لقيادة الأمة هى الصلاة والصيام وقيام الليل والزهد وفقط، فكل هذه الأمور كانت معينات حقيقية يتذكر معها الخليفة -وقائد المؤمنين بعد وفاة رسولهم- الله الذي مكَّنه وأقامه، وأن الشعب- الذين هم عباد الله- قد صاروا اليوم رعيته، يسأله ربه عنهم وما أحدث فيهم، فيجازيه أو يرديه، لكن الذي أهله للقيادة هو كونه صف القيادة الأول خلف النبي، أولئك الذين خاضوا الحروب معه، وحضروا توقيع المعاهدات معه، واستشارهم النبي في القريب والبعيد، في السياسي والاجتماعي والحربي.

وقد كان الراشدون على قدر المسؤولية، فحكموا بالعدل حتى صاروا منابره، وحافظوا على الملة حتى صاروا أئمة يُقتدى بهم وُيهتدى برأيهم، ولنهضة أمتهم خططوا وأسسوا وصبروا وعانوا وقاتلوا وقُتل أغلبهم، حتى صارت أخطاؤهم أو أخطاء بعضهم في بحر حسناتهم لا تُرى بالعين أو بالمجهر.

وقد كان الراشدون حريصين على أن تكون الخلافة للقوي الأمين والحفيظ العليم الذي تراه الأمة وتختاره، فلم يورِّثوا الحكم أو يسعوا للتفرد؛ بل كل واحد منهم ابتكر طريقة يرى من خلالها أن الأمة تستطيع اختيار القائد الذي معه تهتدي وتصلح، وبه تنهض وتقوى.

وهم الذين في عهدهم كان أضعف الرعية يستطيع أن يقاضيهم ويقتص منهم إن حكم له القاضي الذي لم يكن لأمير المؤمنين عليه سلطان، وكان الواحد من الرعية يستطيع أن يُنكر عليهم في السر والعلن، فإن كان الحق للواحد من الرعية أذعنوا وعادوا على رؤوس الأشهاد، وإن كان الحق على المدعي لم ينله من إنكاره عليهم أذى.

لذلك تستطيع أن ترى أن قوله صلى الله عليه وسلم «عضوا عليها بالنواجذ»، يعني أن في تركها خطورة على الأمة والناس، وقد كان..

فبعد أن كانت الناس تختار الخلفاء أو يبايعوهم «اختيارًا»، ويحاسبهم الصغير والكبير والمرأة، ويعيش في عدل دينهم من على ملتهم ومن خالفهم، جاء معاوية بن أبي سفيان-رضي الله عنه- وكسر هذا الخير بأخذه البيعة لابنه يزيد عنوة وغصبًا، وصار الناس من جراء صنيعه الفاسد فريقين، بعد أن كانوا أمة واحدة، وكان الأمر بعده كالسد الذي كُسر بابه.

فصارت الخلافة مُلْكَا، وصار الناس لا يعرفون من أيام ملوكهم سوى يوم الصعود، فلا يعرفون عنه خلقًا ولا يختبرون فيه خبرة، وصار الأب يورث الحكم لولده وإن كان سكيرًا داعرًا، وصار يُنادى عليه أمير المؤمنين وهو في الحقيقة أمير الفاسقين.

وصارت الأمة تعيش مع ملوكها الجدد، كل بحسب القسمة والنصيب، فإن كان الخليفة ذا خلق ونفس طيبة، عاشت معه الأمة أيام سعدها وارتفاعها، وإن كان الملك الخلفية أو الخليفة الملك- وما أكثرهم- أحمق أو ماجنًا لا يصلح حتى لقيادة قطيع من البقر، عاشت معه الأمة انحطاطًا يتلوه انحطاطا.

ووقعت الأمة تحت إمارة الصبيان وإمارة النسوان وإمارة السُكران، بلا قدرة على النقد أو الخلع أو الإنكار، وألبسهم -زورًا وتزويرًا- بعض العلماء وكثير من علماء السلاطين ثياب الخليفة الذي سماه الله ورسوله، وأمر النبي له بالطاعة، فلبَّسوا على العامة دينهم وجعلوا الرضا بالظلم والسكوت على منكرات الولاة والأمراء دينًا يتعبدون به لله، وأوّلوا الأصل ولوو عنق النصوص، وروجوا بين الناس دينا مدجَّنًا رخيصًا، يكفيك فيه أكل الفتات لتحيا إن كان في هذا الموت حياة أصلًا، واستحسنوا للأمة السكوت لتنعم بالعبادة والأمن-بالرغم من أن السكوت على فسادهم هو الذي سقطت به الأندلس وكل ساقط بعدها- وفي كل مرة كان يزيد حجم الصمت، كان يزيد معه تغول السلطان، فلا تعبَّد الناس بسكوتهم ولا أمِنوا.

وسُلبت من الأمة أدواتها في الإنكار والتوجيه، وبعد أن كانوا رعية صاروا رعاعًا، وبعد أن كانوا عمالقة صاروا مسوخًا مشوهة، وصار الشاب الفتي شيخًا هرمًا وهو لم يتجاوز العشرين.

وكان لمّا يثور إمام أو صالح على هذا الفساد وتلك المظالم والتهتك والخنوع: يُقتل باسم الدين، ويُصلب باسم المصلحة، ويُلعن باسم الشريعة، حتى صار معروفهم هذا منكرًا، وسنتهم هذه بدعة وضلالة، ليعود بعدهم الناس إلى طابعهم الذي ختمت به أقفيتهم المنكَّسة، حتى صار هذا الذل يُدَّرس بين الناس ويُمنّهَج على أنه الحق الذي لا مرية فيه.

فانفصلت الأمة عن الحاكم، وانفصل الدين عن الواقع، وكانت درجة هذا الانفصال في كل عصر تزيد أو تنقص بحسب العادة والعُرف والحاجة، حتى جاءت حملات الصليب.

فقد جاءت حملات الصليب براياتها وجنودها، عباسيون يطاردون أمويين، والعبيديون يقاتلون العباسيين، وعباسيون يقتلون بعضهم بعضًا، جاءت ولحلب دولة ودمشق دولة والموصل دولة وطرابلس دولة، جاءت والأندلس مهترئة ضعيفة متآكلة، والجزيرة تحت حكم القرامطة ، جاءت وهناك سلاجقة يحكمون الشام وسلاجقة آخرون يحكمون شمال العراق بخلاف السلاجقة الروم الموجودين في آسيا الصغرى، جاءت والعبيديون (الفاطميين) يتعاونون مع الروم البيزنطيين ومع الصليبيين أنفسهم للقضاء على السلاجقة السنة، جاءت والغزنويين يسيطرون على أفغانستان والهند، وآل زيري يسيطرون على تونس، وبنو نجاح وبنو زريع والصليحيون على اليمن، جاءت وليس هناك دولة تكاد تُذكر سوى دولة المرابطين القوية في المغرب.

لم تكن الحملات الصليبية هي آخر الحملات، ولا هجمات المغول هى آخر الهجمات، وكانت الأمة في كل هذا قد غدت مفعولًا بها من داخلها وليست بفاعل، فقد غدت الأمة مستعدة تمامًا للاحتلال، فقد غدا الأصل والثابت هو السلطان والأمير والملك، وغدا المتغير هو الشعب، فقدت الأمة الثقة في نفسها، وهُمشت الجماهير حتى صار هناك على الدوام فريقان فريق السلطة وفريق علماء الشريعة، والشعب بينهما يتلقى إما الضربات وإما الحسنات، لا يفهم ولا يستطيع التمييز، يعتمد في غالب أمره على البطل المُغَيّر والمهدي المنتظر في معاركه الحربية والعلمية، يدخل به أمراء السوء معارك لا طائل من ورائها فلا يستطيع أن يتخلف عن واحدة منها، لأن كل طرف يهتف في جماهيره بأن هذا جهادًا، وإن هذه هى المعركة الفاصلة وأن إجابة ولي الأمر فرض ودين، فتنضم الحشود التي لم تعد تسأل أو قل لم تعد تجرؤ أن تسأل الحاكم أو السلطان أو الخليفة أو تراجعه في قرار، ويدخل به في الطرف الآخر علماء أو هكذا أُطلق عليهم، معارك علمية تسن فيها أسنان الأقلام وتشحذ فيها الألسن وتُجهز فيها الكتب والرسائل والدروس، حول مسألة خلافية أو أمر لم يدرس بشكل كامل، فيُعادي أصحاب هذا المذهب المذهب المخالف، ويتقاتل فيه طلاب العلم حتى يطعنون بالأقلام شيخًا خالفهم في مسألة، ويضربون شيخًا آخر من كبار حفاظ الحديث ومن فقهاء القرن الثالث الهجري في خصيتيه حتى مات، ويحاصر فيه الإمام الطبري -وما أدارك ما الطبري- في بيته ويرجم بابه بالحجارة، ويمنع عنه زوّاره حتى مات، ولمّا مات منع خصومه الفجرة من دفنه في مقابر المسلمين! وقد كان هؤلاء الخصوم وهؤلاء الفجرة من طلاب العلم والعلماء، ولك بعدها أن تتخيل كيف كان حال العوام!

وظلت هذه الكرة -الآثمة الماجنة- تتدحرج وتكبر حتى وصلت إلى الثنائية الحديثة: الإسلاميون والعسكر، فصار الدين للإسلاميين، وصار الوطن للعسكر، وهذا ما نتعرض له في المقال القادم إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد