كم عظيم هذا الحديث «إن صح» وكم نفتقد معناه في حياتنا!

أن تكون عابدًا زاهدًا صوامًا قوامًا متصدقًا، فهذا أمل لا يرقى إليه كثيرون غيرك. نعم، كم هم قليلون هؤلاء العباد في هذا الزمان! حين نرى أحدهم، نتندر بذلك بيننا ونغبطهم على ما أنعم الله عليهم بفضله وعلى ما اصطفاهم به من بيننا. نظل ندعو ربنا أن نكون مد يد أحدهم أو نصيفه. نجاهد أنفسنا للحاق بمكانتهم وتحبط همتها حين تعجز عن ذلك. كل ذلك محمود، ولكن..

ولكن، حين نرى من أنفسنا خلقًا حسنًا جبلنا ربنا عليه بفضله، حين نعيش إخلاصًا في عملنا ربانا عليه ربنا وزرعه فينا بكرمه، حين نلمس في حياتنا حفظًا للأمانة وحرصًا على عدم التفريط فيها من ربنا بذلك علينا بفضله ومنته وحده، حين نستشعر في أنفسنا تصريحًا بقول الحق وعدم كتمان العلم وتعريضًا لأنفسنا للخطر ابتغاء مرضاة الله وحده وخوفًا من عقابه لمن سكت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما ذلك إلا توفيق منه تعالى وحده، لا فضل لنا فيه، حين نلمس فينا بحثًا وراء كل عبادة عن غايتها ومردودها العملي علينا واجتهادًا في التخلق بهما ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، حين نفعل شيئًا من هذا أو كله، نستشعر الأمان ونرى أننا ما زلنا بخير، نجد أننا نجتهد أن نترجم عبادتنا القليلة أعمالا عظيمة، نشهد بأنفسنا تجسيدًا لمغزى العبادة في سلوك ملموس نشعر به ويتأثر به غيرنا، فتطمئن قلوبنا بعد محاولات الشيطان تيئيسها لقلة عمل الجوارح، تهدأ أنفسنا بعد عويل دام ردحًا من الزمن على تقصير ما استطعنا له حلًا وضعف لم نستطع له جبرًا. نستعيد الأمل والرجاء بعدما كاد الخوف يهوي بنا إلى درك القنوط والإحباط واليأس من قلة عبادتنا وفرط معاصينا .

نتأمل كل أمر من ربنا لنرى من وراء كل أمر ونهي حكمة وغاية. فما فرض علينا العبودية له إلا وحررنا من كل عبودية لغيره. أذلنا بين يديه لنستشعر العزة أمام عبيده. فرض علينا صيامًا لا ليعذبنا به، بل ليزرع فينا تقواه. كتب علينا صلاة، لا ليجهدنا بها، لكنها تنهانا عن الفحشاء والمنكر. فرض علينا زكاة في أموالنا، لا لحاجته إليها – حاشاه – ولا حرمانًا لنا، لكنه يزكي بها نفوسنا ويطهرنا، ويغرس فينا حنوًّا على ذوي الحاجات. فرض علينا حجًّا لبيته، لا ليشقي ويتعب أبداننا، لكنه يختبر امتثالنا لأوامره، دون بحث منا وراء العلل والأسباب.

بعد التأمل في هذه العبادات وغيرها، لنا أن نسأل: أيهما أهم، أداء ظاهر العبادات فقط أم أداء ظاهرها وتجسيد معانيها وحكمها وغاياتها؟ لا يشكك عاقل أن العبادة الظاهرة دون تنفيذ مغزاها ومقصدها لا يرقى أبدًا إلى عبادة انعكس أثرها جليًّا على صاحبها .

ليست هذه دعوة لإهمال ظاهر العبادة والالتزام بها. ولا يفهم هذا من كلامي إلا سيء الفهم والقصد. إنما هي صرخة لكل متعبد في صومعته، غير متخلق بأخلاق العبادات بين الناس. من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، فماذا أضافت له صلاته غير إسقاط الفريضة؟! من لم تؤثر قراءته للقرآن ليل نهار على إخلاصه في عمله، فهل يشفع وقت التلاوة عن الوقت الذي يسرقه من عمله؟! من قام الليل وصام النهار ثم بطر الحق وغمط الناس ليس إلا لظنه بأنهم مقصرون في جنب الله مقارنة به، فهل ارتقى به قيامه وصيامه؟! والأمثلة على ذلك لا حصر لها.

والتخوف هنا هو الغفلة عن هذا المعنى: «رب طاعة أورثت صاحبها عجبًا واستكبارًا، ورب معصية أورثت صاحبها ذلًا وانكسارًا!» كم من متساقطين على الطريق أوقعهم في الهلاك عجبهم بطاعتهم! وكم من ناجين أنجاهم ربهم بخشيتهم له وخوفهم عاقبة معصيتهم! فيا أيها الطائع، مهلا، احن رقبتك أمام ربك واخفض جناحك للمؤمنين ولا تغتر فتهلك. ويا أيها المقصر، مهلا، لا تنس خطيئتك واستعظم ذنبك وانكسر أمام بارئك واطرق باب التوبة غير تاركه، لعل ربك يقبلك ويرفع درجتك بمدى ذل نفسك بين يديه.

اللهم اجعلنا من الذين يعبدونك ظاهرًا وباطنًا. اللهم أحينا مساكين بين يديك وأمتنا مساكين واحشرنا في زمرة المساكين. اللهم اجعلنا من الذين ترى في أخلاقهم وسلوكهم وأعمالهم روح عبادتهم إياك. اللهم اجبر كسرنا وارحم ضعفنا وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا اللهم من الراشدين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد