ما بين أروقة مجلس النواب المصري تناقش العديد من مشاريع القوانين التي تنم عن ضعف إلمام مقترحيها بما يتحدثون عنه بكافة جوانبه، ولعل الأعجب ذلك القانون الذي يجرم الإفتاء دون الحصول على ترخيص مسبق من قبل هيئة كبار العلماء في الأزهر ودار الإفتاء.

مشروع القانون المقترح تحت اسم «تنظيم الفتاوى» يحمل في طياته ست مواد فضلنا كتابتها نصيا كما يلي:

  • «المادة الأولى»: «يحظر بأية صورة التصدي للفتوى، إلا إذا كانت صادرة من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية ومن هو مرخص له بذلك من الجهات المذكورة في المادة التالية».
  • «المادة الثانية»: «الجهات التي لها حق منح ترخيص بالفتوى هي هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية وفقا للإجراءات التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون».
  • «المادة الثالثة»: «للأئمة والوعاظ ومدرسي الأزهر الشريف وأعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر أداء مهام الوعظ والإرشاد الديني العام بما يبين للمصلين وعامة المسلمين أمور دينهم ولا يعد ذلك من باب التعرض للفتاوي العامة».
  • «المادة الرابعة»: «الفتوى في القضايا العامة وخاصة المتعلقة بشؤون الأوطان لا تصدر إلا من المؤسسات الواردة في المادة الأولى وتقتصر ممارسة الفتوى العامة عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي على المصرح لهم من الجهات المذكورة».
  • «المادة الخامسة»: «يعاقب على مخالفة أحكام هذا القانون بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر وغرامة لا تزيد عن ألفي جنية أو بأحدي هاتين العقوبتين وفي حالة العود تكون العقوبة هي الحبس والغرامة والتي لا تجاوز خمسة آلاف جنيه».
  • «المادة السادسة»: «ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية ويعمل به اعتبارا من اليوم التالي لانقضاء شهر من تاريخ نشره في الجريدة الرسمية».

بداية دعونا نقر بأن لواضع المشروع جهدًا يشكر عليه، ومحاولة جيدة في إطار «محاولات تجديد الخطاب الديني» ولكن قبل أي شيء دعونا نتفق على المصطلحات، ونحدد ما هو مقصود بها ثم نناقش فيما بعد أهلية وتوقيت صدور هذا القانون وفوائده وسلبياته.

الخطاب الديني الإسلامي يعنى به ذلك الخطاب الذي يستند على مرجعية إسلامية «القرآن والسنة» وما تبعهما من فروع أخرى سواء إن كان صادرا عن شخصيات اعتبارية مؤسسات رسمية أو غير رسمية أو أفراد عاديين مشتركين جميعا في الاستناد إلى الدين في تناول كل ما يتعلق بأمور البشرية سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية…إلخ.

والتجديد المنوط به هو ذلك المنطلق من قول نبي الإسلام محمد «إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» وذلك عن طريق تعليم الناس الدين ونفي الكذب على رسول الله بالتمييز ما بين ما هو صحيح وغير صحيح، ومن ثم فهنا نقول أن التجديد المعني هنا ليس تجديد الدين وإنما تجديد فهم الدين في عقول متبعيه والمسؤولين عن الدعوة له.

ولكن حتى لا يحدث خلط أو تداخل ما بين التجديد والإصلاح فالإصلاح يقر بوجود خلل ما نسعى لهدمه وتغييره ومن ثم نكون بصدد التعرض للموروث وترك جزء منه وإضافة غيره، أما التجديد فيعني به عدم التعرض للموروث والوقوف ضده وإنما الإضافة عليه بما يتماشى مع الواقع ومتطلبات العصر.

الآن نحن بحاجة إلى أي منهما «إصلاح أم تجديد؟» الإجابة على هذا السؤال أمر ليس باليسير فمن سيتجه للقول بأننا بحاجة إلى تجديد سيتم سؤاله وماذا عن القديم وماذا عن الفتاوى غير الملائمة أو المستندة إلى أسس ومرجعيات مشكوك بها، ومن ينادي بالإصلاح سيقع تحت طائلة المحاسبة والدعوة لترك الموروث والوقوف ضده.

الواقع أن ما يحتاجه الواقع مزج ما بين الإصلاح والتجديد، فمن ناحية الإصلاح نحن نتحدث هنا عن تنقيح النصوص وإعادة النظر فيها وفيما تحتوي عليه، ولك في صحيح البخاري الذي يعد أصح الروايات مثالا على ذلك ولا نطرق لذلك كثيرا لطول الحديث فيه، وتجديد بمعنى إعادة شرح الدين للناس وتعريفهم به من ناحية والتعامل مع النصوص في إطار متطلبات الواقع وظروفه وفتح باب الاجتهاد وليس محاصرته.

من ناحية أخرى علينا طرح سؤال الآن: هل محاربة الغلو في التكفير تأتي بالتشريع؟ الإجابة على مثل هذه الأسئلة غالبا ما تكون بالنفي، حيث إن مصدر هذا النوع من الفتاوي ليس مصدر محلي فقط بل أنها تأتي من كل مكان بالعالم، وسهلت التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من المنصات انتقال مثل هذه الفتاوى، فمن الأحرى أن نؤهل «المستقبل» للتدقيق في خطاب «الراسل» ليصبح قادرا على فهمه وفهم ما به من عوار ومن ثم رفضه.

نعود مرة أخرى للقانون، ونناقش مدى أهمية مثل هذا القانون في تجديد الخطاب الديني، بالمعنى المنشود فبداية فلسفة القانون غير منطقية لأن العوار الأكبر في صدور مثل هذه الفتاوي ليس في المفتي ولكن في النص المعتمد عليه في إصدار الفتوى، ومن ثم فالأحرى والاصح قبل الشروع في طرح قانون كهذا العمل على تنقيح النصوص والتأكد من صحة ما ورد من أحاديث عن النبي وفصل القول فيها، من ناحية أخرى دعونا نضع خط فاصل ما بين الترخيص والتأميم بمعنى أن خلق باب الترخيص لمن له الحق في الفتاوي العامة وإعطاءه من جهات عينها هو محاولة لتأميم الفتاوى والتضييق على  الاجتهاد الذي يعد من وسائل تجديد الخطاب الديني المنشود.

من ناحية مواد القانون، فإذا ما نظرنا للمادة الثالثة بالأخص فنرى أنه في الوقت الذي يمنع المشرع حق الفتاوي العامة ممن ليس لهم ترخيص بالإدلاء بالفتاوي في وسائل الإعلام يعطيه الحق في الإفتاء في منابر أخرى مختلفة كالمساجد وغيرها من المنابر ومن ثم فالمشرع لم يمنع الفتاوى التي يرى فيها تأثير سلبي على المجتمعات ولكنه حد من أماكن التفوه بها، فلم يعالج الأثار المترتبة على تلك الفتاوي ولكنها نظمها شيئا ما، تنظيم مخل وغير مجدي بالمرة، نأتي للجهات المعنية بإعطاء الفتوى والتي غالبا ما يقر في العرف أن المؤسسات الدينية التقليدية «الإسلام المجتمعي» في علاقتها مع الأنظمة تقوم على علاقة ولاء مطلق أو تبعية شيئا ما وهذا ما يظهر على سبيل المثال في أن الموافقة على تشكيل هيئة كبار العلماء يأتي من الحكومة ورئيس الدولة، الأمر الذي يقل من مصداقيتها لدى البعض، وإذا ما عدنا إلى كيفية إعطاء الرخصة وإقرار الاختبارات كآلية أساسية ووحيدة لاختيار هؤلاء ممن لهم الحق في الفتوى أمرا أيضا ليس بالكافي  وسهل التلاعب عليه وإعطاء القائم على الاختبار ما يريد للحصول على الرخصة ومن بعد تحدث الخلافات والاختلافات.

نهاية نحن لا نريد شيوخًا بـ «رخصة» وإنما نحتاج إلى إعطاء رخصة للعقول رخصة للاجتهاد بعد إعادة النظر في المرجعيات والنصوص التي يعود إليها المفتي ويستقي منها الفتاوى وتنقيحها من قبل لجنة تشكل من كافة أطراف الحركة الإسلامية الموجودة بالداخل سواء مؤسسات تقليدية أم غير ذلك، مع مراجعة كاملة ودقيقة لكافة ما يقدم للطلاب في الكليات الأزهرية والمعاهد الدينية وتنقحيها، ونصل في المرحلة الأخيرة إلى خلق شيوخ بـ «رخصة».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد